لا تموتن إلا وأنتم مسلمون

 May 20, 2009

 

يبدأ التوحيد بـ«لا». لا إله إلا الله..سدرة منتهى العلم: «فاعلم أنه لا إله إلا الله».والتوحيد هو مبتدأ الوجود الإنساني ومنطلق التحرر مما سوى الله، لأنه..أكبر. فإن حاول أحد المجادلة في التوحيد يكون رد المؤمن على دعوة الشرك «قل لا أشهد»، مستجيبًا لدعوة ربه: «كلا لا تطعه واسجد واقترب».لاءات ثلاث تترتب على ذلك: لا شرك، لا اتباع للهوى، ولا اتباع لخطوات الشيطان.

الإسلام اختيار، ومسؤولية. المباديء الأساسية المترتبة على «لاإله إلا الله» هي: ü لا إكراه في الدين.ü لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.ü لا تزر وازرة وزر أخرى.وحين تستقر تلك المبادئ يأمر الله بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

وتتوالى الآيات التي تتكرر فيها «لا» الناهية التي تحدد ملامح المجتمع الإسلامي، تنهى عن نقض الأيمان والعهود، وعن كتمان الشهادة، وعن أكل الأموال بالباطل، وعن عضل النساء وإيذائهن، وعن البغي.«لا» الناهية في القرآن هي دائمًا ضد الظلم، ومع العدل الذي هو مناط التشريع، حتى في العقيدة المناط هو العدل، لأن الله وصف الشرك بأنه ظلم عظيم.وهناك«لا» التي تنهى المؤمن عبر بيان ما لا يحبه الله، فتصبح الطاعة قرينة اليقين به والتقرب إليه بترك ما يكره، فيكون الانتهاء عما نهى عبادة فردية، ومسؤولية اجتماعية، ومصلحة دنيوية وأخروية، فالله لا يحب الكافرين ولا الظالمين ولا المعتدين ولا الخائنين ولا المفسدين، ولا يحب الجهر بالسوء من القول، ويأمر ألاّ تقل لوالديك أف ولا تنهرهما، وألا يسخر قوم من قوم، وألا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وألا تكرهوا فتياتكم على البغاء، وألا تؤتوا السفهاء أموالكم، وألا تنقضوا الأيمان، وألا تأخذوا من قنطار النساء شيئًا، ورسله ينهون عن سوء الخلق في كثير من قصص القرآن لأن سوء الخلق يذهب بالعمران، لا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تطغوا، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، ولا تبطلوا صدقاتكم، ثم تأتي «لا» في التحريم وتتكرر«لا يحل لكم» في معرض بيان الحرمات في مواضع مختلفة.

لاءات الرحمةلكن اللاءات ليست كلها تحريمًا ونهيًا، فهناك في القرآن كثير من لاءات الرحمة، تحريم ورحمة في: لا تقتلوا أنفسكم ولا تقتلوا أولادكم، ولطف وجبر في: لا تحزنوا ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، ويقين في: لا تحسبن الله غافلاً، وقسط في: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم، وبشارة في: لا غالب لكم، وأمان في: لا تخشوهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وتواصى بالحق والصبر من أجل يوم لا تظلم فيه نفس.القرآن نفسه ووصف بأنه: لا ريب فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يمسه إلا المطهرون.والغيب يوم القيامة تواترت اللاءات في وصفه، سخرية ممن قالوا لا يبعث الله من يموت، وتحذيرًا في: لا تأتيكم إلا بغتة، وميزانًا في: لا ظلم اليوم ولا شفيع، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ولا يخفف عنهم العذاب، ولا تخفى منكم خافية، وقسطًا في يوم لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة.واللاءات في الدعاء على لسان المؤمن كثيرة، في: لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به

 وفي التوسل: لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين، وفي الاستغفار: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وفي تسليم: لا قوة إلا بالله.في البدء كان السؤالولكن أين الحرية؟ أين الحرية في قول «لا»؟أوليست «لا» هي شعار الأحرار، والمعارضة حق؟الحرية في القرآن كامنة في صيغ السؤال، وفي حركة العقل نحو المعرفة من أجل حرية الاختيار لا حرية «لا» منطلقة هكذا دون منطق.لا نبالغ إذا قلنا إنه في البدء كان السؤال، قبل «كن» كان الخبر «إني جاعل في الأرض خليفة»، وجاء سؤال الملائكة «أتجعل فيها من يفسد فيها؟»، ثم كانت كن، وعلم الأسماء، ولا تقربا، وعصى آدم، وتاب عليه وهدى، ثم اهبطوا، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم، وسنة الله في الخلق: ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم.ولم يكن طرد إبليس من الرحمة لأنه قال «لا»، بل لأنه أبى واستكبر وقال «أنا خير منه»، ثم حسد فقال «لأغوينهم» وتجاوز وقال «لآمرنهم».عهد الفطرة الذي أخذه الله من ظهور بني آدم قبل خلق الأجساد كان سؤالاً وجوابًا: ألست بربكم قالوا: «بلى شهدنا».فالحرية تأتي عبرالتفكر والتدبر والعقل والعلم، والـ«لا» في القرآن تنفي العقل والعلم بقوة عن الكافرين والمشركين، وتحث عليها المؤمنين، والـ«لا» الجاهلة ليست مقياس الحرية ، بل محض السؤال المستمر هو سبيل التحرر، ليتجدد السؤال، ويستمر تدفق نهر المعرفة، عبر «اقرأ».«أفلا» بيان للسنن والآيات، وتذكير بالنعم وبالمعجزات، وتعجب من الإعراض، وإشارة إلى البينات.والسؤال كان يستدعي الوحي والجدل، والشكوى تستدعي الرحمة، وتبين الحدود.السؤال مصدر فهم الوحي، وآلة الاجتهاد، ونقيض الاستبداد الذي تخرس فيه الألسنة وتصبح الطاعة عمياء..خرساء.موسى سأل الله: أرني أنظر إليك، وقَبِل الله منه السؤال، وأوضح الاستحالة، ثم ضرب للعقل المثال «ولكن انظر إلى الجبل».إبراهيم سأل : كيف تحيي الموتى؟ ورد الله على السؤال بسؤال: أولم تؤمن؟ قال بلى، ولكن ليطمئن قلبي.فكانت التجربة برهانًا.. عين اليقين.

سؤال الله للعبد لوم وتذكرة، «رأيتم»..و«يا أيها الإنسان ما غرك» رحمة ، ونداء.ويوم القيامة لا تنتفي حرية السؤال، لا تخرس الألسنة، بل تخشع الأصوات، «رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى»، «و مالنا لا نرى رجالاً».. ويستمر السؤال.الحرية ليس مناطها اللسان يتفوه بـ«لا» فقط، بل مناطها عقل يطلق أسئلة مجنحة، وقلب يقينه مسكون بأسئلة متجددة تشحذ الإيمان، لذا كان الفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد.ولأن الله لا إله إلا هو فلا فضل لعبد على آخر إلا بالتقوى، ولأن التقوى محلها القلب، ولا يعلم الغيب إلا الله، فالشهادة مسؤولية ومحاسبة، وقسط وسواسية، وطاعة لا تقترن بمعصية، وتقويم نحو الاستقامة.خلافة الإنسان لله تحرر من عبودية ما سواه، وبها تنطلق «لا» في مواجهة الظلم، والذي يكذب بالدين ، فـ«لا يحض على طعام المسكين».الخلافة في الكون نهي عن المنكر وأمر بالمعروف، هي «لا» ضد البغي، و«لا» ضد الغلو، و«لا» ضد العدوان،«لا» باللسان وبالفعل، والحركة من أجل التغيير، آيات «قل لا..» في القرآن تحمل في قلبها حرية، وخطاب الله للمؤمنين «لا تكونوا كـ..» تحمل في قلبها حرية، وسؤال «وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين» يحمل رسالة حرية سياجها «لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين».فـ…«لا تموتن إلا وأنتم مسلمون»

 

مجلة المعرفة

http://almarefh.org/news.php?action=show&id=1942.