ربما يكون هاجس البعض تنامي صدامات العنف بين بعض المسلمين والأقباط التي تعكس حساً طائفياً له أسبابه التي لا مجال لسردها هنا، ويخوف البعض من حرب أهلية لو زاد ذلك، ويتحدثون عن مخططات تقسيم مصر التي نقرأ عنها ونعرف أن كثيراً منها صحيح.
لكن الجدير بالمتابعة هو حالة الانقسام الأخطر علي مصر الآن وهي التي تسير علي محورين، أحدهما قديم والآخر صاعد ولافت، أما الأول فهو الانقسام الطبقي، وأعرف أن وصف الانقسام الطبقي يعيد للأذهان خطاب الاشتراكية الذي حرصت الدولة خلال عصر السادات ومبارك أن تمحوه محواً من التعليم ومن المجال العام ومن خطاب الإعلام، وتجعل تلك المفردات تبدو غريبة بل ومستهجنة أحياناً، وعجز الإسلاميون عن تفعيل خطاب العدالة الاجتماعية الذي كان خطهم الفكري الثري في منتصف القرن العشرين لانشغالهم بالسياسة تارة وبالشكليات التي اعتبروها معيار الأخلاق تارة أخري، فقصروا في الدفاع عن روح العدل الاجتماعي في الإسلام وتركوا الساحة في ذلك للاشتراكيين الذين لا يعرفون كيف يخاطبون الناس بلسانهم في الغالب فضاعت تلك المعاني من المشهد السياسي الذي غلب عليه التنافس الحزبي والصراع علي مقاعد البرلمان منذ الثمانينيات.
وبما أننا في الصيف فقد يكون من الطريف ضرب مثال مستويات المصايف، علماً بأن ملايين المصريين في الريف والمناطق المهمشة في المدن لا يعرفونها لأنهم ببساطة بالكاد يعيشون حياتهم اليومية. يكفيك أن تسير متأملاً أوضاع المصريين علي ساحل مصر الشمالي من شرقه لغربه من رأس البر للإسكندرية لمارينا لمشروعات سيدي عبدالرحمن الجديدة والقري ذات الأرقام الخيالية لتعرف أن المصريين ينقسمون في حياتهم اليومية ومسيرتهم في الحياة وفصولها بين طبقة غنية يتسم سلوكها بالبذخ الشديد والترف وفئة واسعة من الذين يعيشون بالكاد، كثير منهم أقصي طموحهم أن يقضوا ليالي صيفهم في المربعات الخضراء الباقية علي الكورنيش من شمال مصر للجنوب والتي لا تمكنهم من رؤية النيل أصلاً لأنه محتل بنوادي الطبقة الوسطي وأماكن السياحة والأغنياء، ومن يستطيع أن يلتمس بعض الأيام في جمصة أو رأس البر بمئات معدودة من الجنيهات يقتطعها طوال العام ليخرج من مربعه الأسمنتي المتهالك ويطل علي البحر بدلاً من بحيرات الصرف الصحي فإنه بالتأكيد سيشعر أنه محظوظ، أما البعض الآخر فيفلح في اقتناص مكان في مدينة الإسكندرية، والبعض توجه إلي الساحل حيث تنفق أسر الطبقة الوسطي في أيام المصيف بعض الألوف وصولاً إلي مارينا ببواباتها السبعة التي يرتفع الرقم في بعض “ضواحيها” ويستقر الأغنياء شهور الصيف ويتنافسون في إقامة حفلاتهم ويبعثرون مئات الألوف، ووصولاً للقري الجديدة التي يتم الترويج لها في بلاد النفط ودوائر النخبة المصرية ليرتفع الرقم لتكلفة امتلاك فيللا هناك للملايين – لو وجدت موطئ قدم -!
وفي رمضان القادم سيقضي البعض لياليهم في الفنادق حتي الفجر، وتستقر الغالبية أمام موائد الأسرة أو موائد الرحمن.
حياة المصريين جد متفاوتة وبينها فجوة تنذر بصراع قد يندلع عنيفاً في أي وقت، وهو بالفعل منعكس في جرائم عنف اجتماعي نظل ننظر لها علي أنها استثناء، وهي تستفحل وتقترب من أن تكون قاعدة مع الأيام.
الانقسام الثاني هو الانقسام بين الأجيال، وهو أمر لم نعرفه بهذه الحدة في مصر من قبل، صحيح أن الانقسام بين الأجيال معروف في أي مجتمع، لكن الفجوة بين الأجيال الجديدة وأجيال الوسط صارت أوسع مما نتخيل، وفي البيت الواحد قد تجتمع الآن أربعة أجيال لا يوجد بينها لغة مشتركة، تآكلت ذكريات الكبار لأن الواقع تغير بشكل يربك، والأجيال الجديدة لديها لغة لا يعرفها الجيل الأكبر، ليست لغة منطوقة فحسب نصفها حروف عربية والنصف الآخر حروف أجنبية، بل لغة حياة ومنظومة قيم تم تخليقها في زمن الانكسار واجتياح العولمة، وهو جيل علي درجة عالية من الوعي لكنه علي درجة عالية أيضاً من الإحباط، والالتفاف حول قضية خالد سعيد ليس صدفة، فخالد قتله الاستبداد وغيره ابتلعهم البحر بعد أن قفزوا إلي أمواج المجهول والموت هرباً من وطن خذلهم.
في العقود الماضية كنا نتحدث عن الجيل عبر وصف العقود، جيل الستينيات ثم السبعينيات وهكذا، اليوم كل عام نلتقي في الجامعة جيلاً جديداً، وثقافة متحولة بسرعة صاروخية، حتي أصبحت كلمة جيل فيها درجة عالية من السيولة لأن الفئة العمرية لم تعد تعبر عن جيل واحد تجمعه ثقافة متجانسة ومفاهيم مشتركة وأحلام واحدة.
المجتمع فيه حالة استقطاب حادة، ولو كنت رئيساً للجمهورية لفكرت فعلاً في تدشين مشروع قومي وطني ينقذ هذا البلد من تلك الاستقطابات الحادة التي توشك أن تفجر الوطن شظايا، لكن يبدو أن الرجل الكبير ما زال يعيش عصراً مضي ولا يري المشهد وينظر في مكان آخر، ومن حوله كذلك – بطانة بعضها من بعض.
كل شعبان وأنتم بخير.. ونسأل الله أن يمنحنا القوة للتغيير ويرزقنا الثبات علي الحق والفهم والبصيرة، وأن يلطف بهذا الوطن في مواسم الرحمة.