اقرأ

رغم أن القراءة هي مفتاح المعرفة ومدخل الفهم وباب الفعل الرشيد فإنها لا تلقي الاحترام الكافي في الساحة السياسية اليوم.

يتحدث الناس في السياسة وشجون التغيير، ويلتقون، ويتجادلون، ويتنازعون علي شاشات الفضائيات، بل قد يتراشقون بالكتابة في الصحف، لكن لا نجد تغييراً في الرؤي والمفاهيم ولا اجتهادا أو رأياً جديدا يستحق النظر بشأن توصيف الواقع، بما قد يعني أن النخبة السياسية لم تعد تقرأ.

كلما هاتفت زميلاً أو أستاذًا أجده إما عائدًا من تسجيل تليفزيوني أو ذاهبًا إلي لقاء سياسي أو ثقافي، يبدو علي السطح أن هناك حركة دائبة وأن المشهد المصري يموج بالجديد، لكن لو تأملنا لن نجد حجراً حقيقياً تم إلقاؤه في بركة السياسة الراكدة في هذا الوطن الذي يحكمه رجل قادم من خلفية عسكرية ويحكم بقبضة أمنية ويتحرك علي الساحة الدولية في وقت كان ينبغي فيه أن يذهب إلي إثيوبيا، لا إلي اليونان ليظهر تضامنه مع دولة أوروبية تغيرت تشريعات بعض دول الاتحاد الأوروبي كي يمكن جمع وتقديم دعم مالي لها من جانب كل القوي السياسية – لا تقلقوا.

تآكلت الثقافة السياسية حتي إنك تصاب بالدهشة حين تعيد مطالعة ما كان يُكتب ويُقال في الفضاء السياسي في الأربعينيات من القرن العشرين، وأستغرب كل هذا الضجيج ولا أري طحينًا في النهاية.

تري هل هذا نتاج غلبة الخطاب الأيديولوجي علي الخطاب السياسي العميق خلال النصف الثاني من القرن الماضي؟ هل هو نتيجة تسوية الإسلاميين التفكير السياسي واختزاله في مقولات عامة، حتي استعصي عليهم لفترة طويلة كتابة برنامج سياسي ينتج عنه بدائل سياسية واضحة في القطاعات المختلفة؟ هل هو نتيجة لانشغال الطبقة المثقفة بدعم النظام الذي أقنعها أن الخطر هو من القوي الإسلامية وأنه لا ملاذ لهم -ليبراليين ويساريين- إلا عباءة الدولة.. و«حظيرتها» (كما وصف وزير الثقافة منذ سنوات مشهد المثقفين بكل فخر؟). أم هو النظام التعليمي الذي قام بتجريف العقل المصري حين انحط بالعملية التربوية إلي هذا الدرك الذي نحن فيه؟

وليس المذهل فقط هو فقر الفكر الذي تشهده الساحة المصرية رغم عبقرية الأفعال الصغيرة الاحتجاجية ونسمات التغيير التي تحملها آمال الحركات التي نراها علي الساحة، لكن الغريب هو عجز العقول عن الإحاطة بمتغيرات الواقع، ويصبح السؤال هو: هل ذلك نتاج عن فقر الفكر أم نتيجة السياسات الاقتصادية التي أدت إلي إفقار الطبقة الوسطي، وهو في الغالب الذي منع الناس من الانشغال بالتفكير؛ لأنهم يناضلون من أجل البقاء فصرفوا الوقت المتبقي في التعبير وليس في التفكير.

هناك شيء ما ينقص المشهد السياسي المعارض في مصر، أجتهد في أن أضع يدي عليه، لكنه يفلت مني دائماً، هل هي فعلاً الثقافة السياسية أم ثقافة الدوائر السياسية التي تدور في إطار السعي للسلطة والحصول علي موقع قدم والتنافس علي المكانة والصدارة؟

منذ الثمانينيات ونحن نحاول بناء تحالفات بين قوي المعارضة، وتنشأ لجان ثم تنفض ومبادرات ثم تنهار ونحاول مرة أخري، وتأتي الأزمات والمحن لتجمع الطيور وترد المغردين خارج السرب، لكن سرعان ما تنشأ الانقسامات وتمتلئ النفوس بالضغائن ويتم استدعاء الذاكرة التاريخية وإحياء الخلافات القديمة وهكذا.

هل نحن بحاجة للتوقف قليلاً وقراءة تاريخنا السياسي المعاصر لنتعلم من أخطائنا؟ أم نحن في حاجة لقراءة التاريخ لنفهم سنن التغيير وشروط النهضة، أم الاطلاع علي خبرات البلدان الإسلامية الأخري التي سبقتنا ثم النظر في جهود دول العالم الثالث التي بدأت من نفس النقطة وسارت لأبعد مدي في حين لم نتحرك نحن قيد أنملة؟

يقولون كفوا عن التنظير والكلام الكبير وانزلوا لتعيشوا واقع الناس، لكن من قال إن من يفكر لا يعيش واقع الناس؟ ويتهمون من يبحث في المفاهيم بأنه جالس في برجه العاجي رغم أنه في الغالب يتأمل في أحوال الناس وهو واقف علي المحور ساعتين وينتظرالسيارات، فهناك تنبثق الأفكار الحقيقية عن انهيار النظام وطغيان السوق وانهيار دولة القانون.. وتضحي القراءة واجباً وفريضة غائبة للنظر في كيفية الخروج من المأزق.

أول كلمة نزلت في القرآن كانت اقرأ، ومن الفقهاء من قال إنها تتضمن تضافر القراءتان: قراءة الوحي وقراءة العالم.

التغيير مفتاحه الجمع بين القراءتين، والنهضة مدادها المعرفة حتي وإن كان شرطها الضروري: اعملوا