معركة الوطن.. ضد الرأسمالية – 3

في معركة الوطن والمواطنة ضد الرأسمالية التي تقوم بتفكيك المجتمع وتحويله إلي سوق وتفكيك الفرد بمعناه الإنساني العميق ليتحول إلي مستهلك يجمع المال لينفقه علي السلع ينبغي أن ندير معارك التغيير في ساحة الحياة اليومية، من هنا فإن عنصري الزمن والمكان يلعبان دوراً مهماً في التغيير.
ليست المعركة فقط معركة تحرير واسترداد الدولة وسيادتها التي هي تعبير عن الإرادة العامة للمواطنين والتي تختطفها النخب الطفيلية لمصالح ضيقة يهيمن عليها الاحتكار للثروة والقوة، بل هي معركة استرداد التاريخ والمستقبل من آلة رأس المال التي لا تبالي بالفقراء ولا تعبأ بالمصلحة القومية وعلي استعداد لبيع أرصدته الاقتصادية، بل المتاجرة في رصيده السياسي من أجل البقاء في كراسي السلطة وإرضاء من تظن أن القوة في يدهم .
ومشكلة الرأسمالية أنها تحتل المكان، لذا فإن معركة تحرير الوطن منها تبدأ بمقاومة هذا الاحتلال، ليس احتلال الجيوش التي تغيرت تسميتها من جيوش احتلال إلي قواعد عسكرية، بل بتحرير الأمكنة التي يتحرك الناس فيها في المدن من قبضة المنظومة الرأسمالية، والتي لا تري في المساحة إلا مصدراً للمادة الخام أو سوقاً لتسويقها. من هنا فإن المدن تتحول لمساحات إعلانية، وساحات استهلاكية ومواقع مصرفية، حتي الأرض يتم استهلاكها فتختفي المساحات الخضراء لترتقع الأبنية الأسمنتية ، وتلتهم كل ماهو نسيج إنساني، وتتباعد المسافات وتتقطع الأواصر.
معركتنا تبدأ بالدفاع عن الأمكنة، بالتصدي لنهم رأس المال لابتلاع الأحياء الفقيرة لأنها تقع في دائرة حركته، شهدنا معركة رأس الدهب والقرصاية والوراق، وستشهد كل المساحات المطلة علي النيل مذابح للمكان وتنافس علي الثروة والموقع.معركتنا أيضاً تتضمن التصدي لغزو الإعلانات لأراضي السكان الأصليين الذين هم نحن، حتي صرنا نعيش في غابة من الإعلانات نكاد لا نجد رصيفاً نمشي عليه في مدينة أصبحت من القبح بحيث أنكرتها العيون والقلوب لأن الجمال ليس قيمة رأسمالية بل قيمة إنسانية. ومعركتنا تتضمن الدفاع عن الأرض الزراعية التي منها نأكل ونلبس ويمكننا أن نستقل في مواجهة من يقولون إننا لسنا في حاجة لزراعة بل يمكننا أن نشتري من الخارج بأسعار أرخص (علي أن يكون هو المستورد بالطبع).ومعركتنا تتضمن المحاسبة علي الأراضي التي تم تخصيصها لرجال الأعمال وحرمان الناس منها ليبنوا هم قصورهم وتبيت الغالبية في منازلها الآيلة للسقوط أو صناديقها الأسمنتية الصغيرة التي تهبط بكل قيم الكرامة و”السكن” لعشوائية تخطيطها وافتقارها للآدمية .
أمكنتنا الخاصة تحتاج أيضاً للدفاع عنها ضد غزو الشاشات والتواصل عبر الموبايلات والتحدث عبر الأسلاك حتي ظهرت أنواع من الإدمان تتسم بالجنون في التعامل مع شبكة الإنترنت، بما خلق حالة انفصام جماعي في الشخصية.نحتاج لاسترداد الخاص من سطوة العام والإنساني من سطوة الآلة.
أما عنصر الزمن فهو السلعة الرأسمالية الجديدة بامتياز، من التوجه إلي متحفية الزمن وسجنه في آثار من أجل صناعة السياحة، بل وفرض صيغ عيش معينة علي بعض المجتمعات المحلية لأن تلك الصيغ تدر دخلاً أكبر وليس بالضرورة لأنها تحقق حياة أكثر إنسانية وكرامة، وصولاً إلي التضحية بالثقافة من أجل سائح يأتي ليقضي إجازته علي جثة نسيجنا الاجتماعي أو كرامتنا القومية، ويحصل علي حقوق لا يتمتع بها المواطن، بل يمكنه دخول مساحات ممنوع علي المواطن الاقتراب منها ..أو حتي التصوير!
والزمن هو الذي يتم بيعه اليوم في السوق المصرفية، مجالاً تتحرك فيه رؤوس الأموال لتربو ساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم، ويتم بيعه في سوق العقارات وعوداً ندفع مقابلها المال دون أن نمسك شيئاً في يدنا- بعد، وهو الذي تراهن عليه الأنظمة لأن كل يوم يمر عليها في السلطة هو رصيد لها خصماً من رصيد الزمن المستقبلي لأبنائنا وللوطن.
والزمن هو ساحتنا اليومية للمقاومة، مقاومة كل التفاصيل الصغيرة المسكونة بالخوف والمهانة، وبالتردد والجبن، حتي صارت كلمة كرامة تطرق الأذن كأنها لحن غاب أو معني ذاب.
لذلك ففي ذكري عيد العمال وشهر مايو الذي تتحرك فيه في العالم أجمع مسيرات المطالبة باستمرار النضال ضد الرأسمالية أجد أن حركة الناس للمطالبة بالحقوق التي نشهدها في كل ربوع مصر هي الأمل، وأن الأعداد الصغيرة من المطالبين بالحق والكرامة علي تنوعهم أمام مجلس الشعب هو أهم ما حدث في مصر في الثلاثين سنة الماضية في ظل نظام الحكم الذي يهيمن علي الوطن منذ ثلاثة عقود. نعم نحتاج قوي ضخمة للمعارضة، ونحتاج أحزاباً منظمة للتغيير، ونحتاج قيادات للتفعيل، لكن الحركات والمطالب الصغيرة الحجم وتحولها لصيغ انخراط تسترد الزمن والمكان والمشهد هو مركز العاصفة القادمة للتغيير وأول بشائر الانتصار في معركة طويلة.