البركان

مازلنا كبشر وكدول (يديرها بشر في النهاية) لا نصدق أن الظلم يعم والعدل أيضاً تتوزع منافعه علي الجميع. يحسب كثير من الناس أنه يمكن أن ينجو من العقاب لأنه أفلح في العثور علي ثغرة في القانون واحتال من خلال قنوات النفوذ (أو فرض مشهد الواقع بقوة السلاح أو البلطجة)، ولا يعي أن هناك عقاباً اجتماعياً سيدفع ثمنه حين تنهار قيمة احترام القانون، وأن شخصاً أقوي سيمكنه أن يستغل نفس الثغرات ليظلمه هو فيتحول لضحية وينضم لقائمة ضحايا الظلم الذي كان يتسيغه.. ويستحله.

وقد يتأسس هذا التصديق علي إيمان، لكن لا يسرق السارق وهو مؤمن ولا يستبد المستبد وهو مؤمن، كما قال الحديث النبوي، ففي لحظة ارتكاب الفاحشة واقتراف المظالم الفردية والجماعية «يرفع الإيمان»، ولمن لا تستهويه التفسيرات الدينية نقولها بلغة العلوم الحديثة: يتحول الوعي ويُعد ترتيب سلم القيم فتصعد القيم السلبية (الإجرامية) وتتدهور القيم الأخلاقية وينتهي الأمر بتزييف وعي الجماعة بشأن قيمة القانون وتسود علاقات القوة والقيم التي تحدث عنها داروين من البقاء للأقوي.

هذا التصور يمكن أن نطبقه علي حالتين، حالة غرور رأس المال الذي أدي لتآكل دور الدولة في خدمة المواطن في الصحة والتعليم والإسكان، لكن رأس المال لا يعي نتيجة ميله للطمع ومراكمة المكاسب المادية دون النظر للعواقب الاجتماعية أن المدي البعيد سيكون ضده، فالدولة التي تتردي خدماتها الأساسية ستعجز عن توفير الحماية والخدمات لأصحاب رأس المال، فهم لا يعيشون في مدن أخري ولا يتحركون في شوارع مختلفة، وإذا تردت حلة الطرق والسلامة عليها، فإن الموت سيحصد أبناءهم، والحالة الثانية هي هيمنة الغرب علي الساحة العالمية بقوة عسكرية غاشمة وتكنولوجيا مدمرة يدفع ثمنها في النهاية الضحايا من أبنائهم في العمليات العسكرية ودولاب اقتصادهم في الأزمات الاقتصادية التي تنتج عن حالة العالم التي لا ينفك فيها العسكري عن الاقتصادي بدءا من تجارة السلاح وانتهاء بعبء الموازنات العسكرية علي الموازنة العامة وبالتالي تخصيص الموارد للسياسات العامة التي تضمن حداً أدني من نوعية الحياة للمواطن وهكذا. ولا شك أن تدمير البيئة ونضوب الموارد وتغيير المناخ الناتج عن انبعاث الغازات يدفع ثمنها الجميع.

لكن الدرس الأكبر هو درس الطبيعة، باعتبارها من جنود الله وآياته في الكون التي تبين لنا المرة تلو المرة حدود قدرة الإنسان وعجزه أمام الحكمة الإلهية، وتوضح للذين لا يؤمنون بالله أن الطبيعة يصعب السيطرة عليها وأن الوعي الإنساني الحديث الذي يفخر بمنطق العقل عليه أن يتواضع أمام منطق الطبيعة.

لكن ما لاحظته أننا نتهم الغرب بالغرور لكننا نتمتع بقدر كبير من التجاهل لحقيقة أننا نعيش في عالم واحد، وأن ما يحدث في بقاع العالم البعيدة يؤثر فينا في حياتنا اليومية.

المثال الواضح هو أثر الإعلام والفضائيات، لكن غضب الطبيعة أيضاً أمر يؤثر في الجميع، فهل نعتبره تحدياً مشتركاً يستدعي التضامن والوعي بأهمية القضايا البيئية التي غبنا عن مناقشتها والتأثير فيها علي الساحة الدولية وجهدنا ضعيف إلا من بعض الجهود الفردية وبعض دوائر المجتمع المدني، أم نكتفي بالشماتة والـ”فرجة”؟ نفس الفرجة التي نستمتع بها ونحن نري المظالم تعم ونحسب أن نيران الاستبداد لن تؤثر فيمن يمشي «بجوار الحائط»!

حين ثار بركان أيسلندا تصادف أن لقاء أكاديمياً كان منظماً في القاهرة في نفس الفترة يحضره أساتذة وزملاء من جامعات أجنبية، توقفت حركة الطيران وتم احتجاز المسافرين بلا حول أو قوة في المطارات. طالعت ردود أفعال القارئ العربي علي الإنترنت، فوجدت شماتة وكأنه ليس بين من تم احتجازهم عرب ومسلمون، تعطلت مصالحهم وحبسهم هذا الأمر دون تحسب.

كان أول ما قفز إلي ذهني هو حال كل إنسان بقي دون سابق توقع في المطار قادما من الأمريكتين، الذين أخذوا القطارات من مدن بعيدة ليركبوا طائرات ولم يتمكنوا العودة أو نفد مالهم. تري من يخدمهم ومن يقدم لهم الرعاية والطعام؟.

في الكوارث ندرك ضعف قوتنا ونحتاج لدعم أواصر التضامن، وفي المظالم يجب أن ندرك أن بركان الغضب قد يخرج الحمم في أي وقت لذلك نناضل من أجل العدل.

المؤكد أن في حياتنا الكثير من البراكين: براكين ثائرة وأخري خامدة.. لكن قد تثور قريباً.