مبادرة التغيير التي تلتف حول نقطة البرادعي كما تجمعت حول نقطة كفاية في نوات سبقت تستدعي التأمل، والتي تصادف أنها تتقاطع في نظري وبحثي مع محنة مؤسسية وبحث عن الذات تمر بها العديد من التجارب النهضوي الإسلامية وأيضا مشهد أزمات اجتماعية في دائرتي الصغيرة وجدتها تتطور بطرق متنوعة وفي اتجاهات مختلفة، كلها دفعتني للنظر والتأمل في إدارتنا للتغيير من ناحية ومواقفنا في الأزمات من ناحية أخري.
كان يشغلني دوماً حين تُقدم رؤي إسلامية عن التغيير والنهضة سؤال: هل ما يحكمنا في هذا الصدد مغاير في الواقع عما يحكم غيرنا، أم أن الأمر متعلق بالطبيعة البشرية وبالتفاعلات الإنسانية وبتوازنات القوة؟
يحجب سعينا الأخلاقي أحياناً نظرنا عن رؤية الواقع، ولطالما استوقفتني آية «منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة»، وتقديم من يريد الدنيا في الترتيب، وكل الآيات التي تتحدث عن خروج الضغائن وتنازع أهل الإيمان علي القوة وإدارة الصراعات التي تثمر الغل، ذلك الذي أخبرنا الله بأنه سينزعه من قلوب الصالحين في الجنة- علي سرر متقابلين.
لكن هذا المسعي الأخلاقي يختلف عن مشهد الواقع بمستوياته الفردية والجماعية والمؤسسية والسياسية. تكررت أنماط إدارة العلاقات والصراعات والأزمات علي كل تلك المستويات بشكل لافت، ووجدت أن هناك حاجة للتفكير في تطوير نظرية تساعد الناس علي الفهم، والأهم أن تساعدهم علي الإدارة والتغيير والخروج من الواقع المتأزم.
نظرت فيما هو متاح فوجدت الناس قد انقسمت بين أهل إدارة ومتخصصين في العلاقات الدولية وأساتذة اجتماع وعلماء نفس، كل يشرح جانباً من الصورة لكن تفاعل تلك المستويات وتداعياتها هو الخيط الناظم الذي نحتاجه.
عدت للقرآن أبحث فوجدت مفاهيم كثيرة، ووجدت قواعد لإدارة الخلاف وصولاً لقواعد القتال إذا أشهر الناس السيوف في وجوه بعضهم البعض، ووجدت الأخلاقي المثالي لا يتجاهل الإنساني الفعلي، ووجدت توجيهات لإدارة القوة وتمكين الناس واحترام أهل التخصص والوفاء بحق أهل السبق، وتنوع عميق وتركيب شديد في ترتيب العلاقات والنسب المعنوية والمكانة، مع تراوح بين أهمية التنظيم من جهة والتأكيد علي أولوية المبادرة وضمان المرونة من ناحية أخري.
لكن الخيط الناظم في كل الخطاب القرآني هو الحث علي التقوي لأنها الحصن من الشيطان الذي يقفز للتفاصيل الصغيرة، والتحذير من حصاد الألسن الذي يورد المهالك حين يندفع الناس ليكونوا جزءاً من مشهد التغيير أو أتون الأزمة، والتنبيه من زلات الغضب، التي لا تغتفر ولا تنسي في غالب الأحيان، ومن هنا الحث علي العفو والتذكير المتكرر بالفضل بين الناس، والزجر من تجاهل الأخطاء أو تكرارها المرة تلو المرة. والثابت في كل ذلك هو اطِّلاع الله علي السرائر، تلك التي تُبلي يوم القيامة، فما للإنسان يومئذ من قوة ولا ناصر.
هناك قائمة من القضايا التي لا يتسع لها المقام، ذكرت بعضاً حين كتبت عن التغيير سابقاً، وأشرت لبعضها في سلسلة مقالات «أحلام العصافير» منذ عامين في نقد الإخوان بعضها أثار غضبهم وتحقق طرف منه في الشهور الماضية، وتحدثت عن مستويات متنوعة في مواقف مختلفة، وتعجبت كيف يمكن أن ينسي الناس في لحظات التحول ومنعطفات المسيرة فضل السابقين، أو يتجاهل آخرون الحاجة لتجديد يفسح المجال لجهد اللاحقين، وشاهدت كيف تتلون مواقف الساسة وكيف تغيب في أزماتنا الاجتماعية أصول الكياسة.
القاسم المشترك في كل ما سبق كان دوماً أن الناس لا تحب الناصحين، عند التغيير تغلب العاطفة علي التخطيط وحسن اختيار الفريق، وفي الأزمات نري الصدور تضيق، وعند الشقاق نبحث عن رشيد لكن الناس تندفع ويصعب أحيانا التراجع، فيصعب لم الشمل وتشتعل حرائق كان يمكن إطفاؤها..بكلمة طيبة.
ويبقي عنصر الزمن، زمن نحتاجه كي ندرك أخطاءنا، وزمن نحتاجه كي نعالج أضغاننا، وزمن يداوي الجروح، وزمن يأتي بأفكار جديدة تنعش حركات، وتجبر عثرات، وزمن للتفكير كثيراً ما نضن به علي أنفسنا حين نتبني نظرية المؤامرة فنحرم أنفسنا من فرصة تاريخية في منعطفات التغيير، وبؤرة الأزمة هي فرصة الاعتراف بالأخطاء ونقد الذات والتعلم من التجارب.
والله لطيف بعباده.
تحية بالغة لهذاالمقال الرائع …. وامتنان وتقدير لهذه المفكرة المبدعة … وشكر وإجلال لله رب العالمين الذي منّ علي مصر بكثير من نعمه ووهبها عديد من معجزاته …وشملها بسيل من الكرامات ….
اللهم ارزقنا عقولاً متفتحة وقلوباً ثابتة وضمائر واعية .