ليس هذا مقالاً ينتقص من أهمية الثورات صغيرها وكبيرها، فكما أن من حق الشعوب تقرير مصيرها في مواجهة الاحتلال من حقها أيضاً تقرير مصيرها في مواجهة الاستهبال والاستبداد والاستحلال لثرواتها ومصالحها القومية، وليس مقالاً ينتقص من دور الجهاد في مواجهة قوي البطش والهيمنة، فالجهاد ماض في الأمة إلي يوم القيامة رغم أنف الإمبريالية والاستعمار الجديد، لكنه مقال في السياسة في المجال اليومي، وهي فكرة سبق وأن كتبت عنها لكن أجدني مع كل مباراة كرة تهدر معني المواطنة وتختزله في الانتماء الكروي بشكل هستيري، ومع كل لحظة يأس تمر بمن حولي حين يضيق الأمن خناقه علي تعبيراتنا السياسية بل والإنسانية، وحين يحلم الناس بالفرج يأتي أجل الفرعون أو يتخيلون تغييراً مزلزلاً يرد لهم حقوقهم، حينها أرجع إلي قراءة منهج التغيير النبوي، وأري أننا لم نبذل جهودنا بعد في ساحات النضال الأساسية ، ساحات التربية الأخلاقية والثقافة المدنية والعدالة الاجتماعية ونصرة المستضعفين وبناء الشخصية السوية التي تؤمن بحق أن الله هو من بيده المقادير، فلا تخشي سواه وتستطيع أن تقول كلمة الحق وتأبي شهادة الزور.
تلك المعاني التي افتقدناها في حياتنا الاجتماعية لأسباب تنوعت بين الاستعباط الفردي المألوف، وحب الدنيا المعروف، والخوف الذي يسكن القلوب وسيادة مبدأ «إمشي جنب الحيط»، وغلبة مفهوم «أنا وبعدي الطوفان» أهدرت الكثير من المعاني، فتآكلت البنية التحتية من الرابطة الاجتماعية وجعلتنا نري كيف يطفو العنف المفاجئ للسطح مع أول احتكاك بسيط، وصولاً للقتل بدون تمييز. ولا يقل عن ذلك أهمية علاقة القانون بالأخلاق، فبسبب افتقار النظام للشرعية وهمايونية القوانين التي يصدرها لتخدم الطبقة الحاكمة وحلفاءها من رجال الأعمال ، أو التمييز في تطبيق القانون في الحياة اليومية وأحيانا في القضاء نجد إهدارًا لفكرة القانون وقيمته، ثم يستتبع ذلك بلطجة في التعامل مع موازين العدل والمعروف، بما يؤدي في النهاية لضياع الأخلاق، لأن الأمور منظومة متكاملة، ومن يهدر البعد الجماعي في القانون الذي يفترض أن يحمي ميزان العدالة بحساسية سيهدر مع الوقت البعد الجماعي في الأخلاق وأنها لا تتجزأ ونشهد في النهاية هذه الفوضي غير الخلاقة التي يعيش فيها الناس.
شكت لي صديقة أنها شهدت في عقد قران أحد أقربائها المأذون ينصح الشاب المقدم علي الزواج بأن لا يكتب علي نفسه التزامات ويكتفي بالحد الأدني حتي إذا ما جاء يوم يحدث فيه انفصال (ولدينا في مصر نسبة طلاق فلكية في أول عامين من الزواج) لن تستطيع المسكينة التي سيتزوجها أن تحصل منه علي أية حقوق!
هذا التفكك للنسيج الأخلاقي والذي أثمر تفكك نسيجنا الاجتماعي هو المدخل الواسع للاستبداد، لأن النظام القوي لا يمكنه السيطرة إلا علي مجتمع ضعيف ونفوس ضعيفة وبنية ثقافية هشة.
لذلك أعجبني أن أجد مجموعة من الشباب قد بدءوا في الاهتمام باللغة العربية التي تنبأت بعض الجهات الدولية باندثارها خلال خمسين سنة، لأن التعليم أصبح معظمه بالإنجليزية وما تبقي بالعربية لا يمت للغة الجميلة وبلاغتها ونحوها وصرفها بصلة كبيرة ، وما تبقي من وقت ينفقه الشباب في تبادل رسائل بالعربية بحروف انجليزية !! والبعض الآخر قرر أن يبدأ مشروعاً لتسويق ملابس شبابية مكتوب عليها مقولات بالعربية بدلاً من الشعارات الإنجليزية التي تزين صدور الشباب.
لفت نظري أيضاً جهد تقديم العزاء لضحايا نجع حمادي (والذي أجهضه جهاز ما يسمي بأمن الدولة)، لكن مواصلته واجبة، ولا توجد حرية بلا ثمن.
علي صعيد آخر تنامي عدد الشباب المتطوع في الأعمال الخيرية والمدنية بشكل غير مسبوق، وزاد عدد الذين يشاركون في العمل الإغاثي وقت الأزمات، ومن الطموح الأكبر للسعي البسيط أطلق مجموعة شباب علي «الفيس بوك» حملة لوقف استخدام الكلمات البذيئة في اللغة اليومية وتحسين ملافظ الناس قليلا ً (عقبال السياسيين).
ينبغي ومن حقنا أن تكون لنا طموحات كبيرة ونضالات ضخمة، لكنها ستظل عالقة في الفراغ إذا لم نثبتها في أرضية الإنسانية بالتزام بالأخلاق وبالقيم الدينية الجوهرية وبالسلوك الحضاري في كل لحظات اليوم، في التفاصيل الصغيرة والأمور الاعتيادية، في البيت والشارع والمدرسة والجامعة والنادي ومكان العمل والمقاهي والمولات. ثم نناضل نضالات كبيرة بعدها كما نشاء.
إن الجبال من الحصي.. والأنهار تتكون من قطرات مياه.. والشعوب الحرة من بشر صنعوا من خياراتهم اليومية.. شراعاً للتغيير.
نشكرك على هذا المقال الرائع يا دكتوره
فحقا هناك مشكله اجتماعيه وتربويه اخلاقيه
ولو ايقن الناس حقا بأن الاعمار والارزاق بيد الله لهانت عليهم الدنيا واصبح سهلا عندهم الايجابيه وان يقولو للظالم يا ظالم
مقاااال رائع