الفضاء العام والفراغ العام

أتابع الضجة التي تملأ الإعلام والصحافة وشبكة الإنترنت عقب الإعلان عن نتيجة انتخابات الإخوان.

وليس هذا مقالاً في الموضوع، بل حول الموضوع.

تجولت بين صفحات الفيس بوك لأتابع الجدل الدائر بين الشباب ، البعض يجدد البيعة ويؤكد الولاء، والبعض ينتقد بلطف تارة وبقسوة تارة أخري. ووصل عدد التعليقات ما يزيد علي المائتي رسالة ذهابًا وإيابًا -مناقشة وتنازعاً.

البعض خرج عن شعوره وشتم، والبعض توسط بين اثنين، والبعض الثالث أرسل رسالة ساكتة تحمل نقاطاً تعبر عن التعجب والتبرم،

واللطيف هو حضور شابات في الحوارات، في حين أن المرأة ما زالت خارج المكتب والشوري في الإخوان.

دخلت وخرجت في أكثر من حوار، ليس تحيزا لرأي أو فريق بل تحية للمتحاورين. فرحت بوجود مساحة من النقاش المفتوح لا يستطيع أحد مصادرته أو حجبه، حتي لو كان المدونون الآن يتعرضون للتحرش الأمني والاعتقال المتكرر.

ثم جلست أتأمل في حالنا.

الأصل أن تكون هذه الحوارات في المجال العام، وأن تكون مفتوحة، لا برنامج يستضيف قيادة هنا أو مقالاً كتبه صحفي «أمن دولة» هنا أو قلم من كاتب «أمن دعوة» هناك.

لكننا ليس عندنا مجال عام، ولا فضاء عام، يتم تشكيل الرأي العام من خلاله وتحديد التوجه العام. عندنا بالأحري «فراغ عام»، أو مجال «ساكت» تتردد فيه الأصوات لكن لا تتشكل فيه الرؤي.

في مجتمعات أخري هناك بدائل، ديوانيات الخليج وحسينيات الشيعة أمثلة في العالم العربي، تخلق مجالات موازية، وإن كانت مشكلتها أنها تخلق تمييزاً طبقياً أو مذهبياً، لكن في مصر تفكك المجال العام المدني بتصاعد التسييس والعسكرة الجارية في ظل قانون الطوارئ للمساحات كلها.. وتشظي، فصارت عندنا أماكن جديدة لكنها ليست عامة، بل يمارس الناس فيها سلوكيات عجيبة غريبة وكأنهم في مكان خاص مغلق بستائر كثيفة!

انسحبت السياسة من المجال العام وتسربت للمجالس الخاصة نلعن فيها الظلم والظالمين، أو نسخر منهم بالنكات والقفشات، وتم نفريغ الهواء السياسي من الساحة المدنية حتي يكاد المرء يختنق فيها من نقص الأكسجين وتزايد الدخان الأسود من الدعاية السياسية الفجة التي صارت تحتل معظم الصفحات والشاشات بل إعلانات الحزب في الطرقات ولافتات المبايعات وصور من يحتكرون لجنة.. السياسات.

ماذا سيحدث لو خرج ما يحدث علي الفيس بوك والمواقع من نقاشات إلي المجال العام، وما الخطر الذي يمثله عرض الفكر علي الناس وتعليم الرأي العام الاستجابة للخلاف بإيجابية والتعامل مع التعددية الفكرية بروح لا تجنح للتخوين أو التكفير أو الاتهام بالعمالة أو الجهل أو التآمر؟.

عندنا مشكلة لاحظتها من متابعة هذا الموسم من الحوارات في انتخابات الإخوان (وسيقدم علينا موسم انتخابات مجلس الشعب لكن هذا له منطق مختلف تماماً)، هو أننا لا ننصت، قبل أن ننهي قراءة السطر الأول نكون قد كتبنا الرد، ولا نصبر علي جدل أكثر من جولتين ثم تبدأ نبرة العنف اللفظي في التصاعد.تضيق الصدور وتبلغ القلوب الحناجر.

هل المشكلة فقط في الدولة وسقف الحرية المنخفض الذي لا يسمح بمناقشة أي قضية من شرف المجتمع إلي شرف الوطن، أم أننا يمكن أن نمارس-لو شئنا- حرية التعبير في تلك الفضاءات لتصبح منصات استعادة التمدن، ثم التغلغل مرة أخري عودة للواقع من أجل تحدي الهيمنة والاستبداد؟.

كيف نستفيد من هذا الزخم في الفضاء الإلكتروني في تحرير المجال العام مرة أخري وإحيائه باتجاه عودة السياسة، إذ أن هذا هو بداية عودة المساحات الأخري لأدوارها المدنية والنقابية، بعد أن تم تحويلها لمنصات سياسة من باب «الاستعاضة» بذلك عن مجال سياسي ومدني منزوع الحرية ومكتوم الأنفاس.

أتساءل دوماً في لحظات الأزمة عن ثمن الديمقراطية..(أو ثمن الشوري) والسماح بأن يكون هناك «خوارج» عن الخط العام والتيار المهيمن. هل هو أعلي.. أم ثمن الاستبداد هو الأعلي؟.

هذه الأيام أقوم بتدريس الجزء الخاص بابن خلدون للطلاب، ونقرأ ونتحاور ونفكر في فكرة دورة التاريخ وسنن الله في الأنفس والآفاق، وكيف نبحث عن منطق التاريخ وفلسفته، وحركة المجتمعات وصعودها وانهيارها.

المشكلة مع من لا يتحدثون عن الاستقرار علي كل الضفاف السياسية أنهم يظنون أن التحكم يحقق الاستمرار، في حين أن التاريخ يؤكد أن الثمن النهائي هو الانهيار الكامل. لكن الطوفان دوماً يخفي عن أعين قوم نوح، وزرقاء اليمامة ليست الشخصية المفضلة تاريخياً لدي القيادات…أي قيادات.

والله غالب علي أمره.