قلب .. سليم

    7/ 12/ 2009 بعد أن هدأت – علي الأقل أحزاني منها- زوبعة حرب داحس والغبراء المفتعلة بيننا وبين الجزائر جلست أتأمل في حالنا. كنت أقود سيارتي علي الطريق...

 

 

7/ 12/ 2009

بعد أن هدأت – علي الأقل أحزاني منها- زوبعة حرب داحس والغبراء المفتعلة بيننا وبين الجزائر جلست أتأمل في حالنا.

كنت أقود سيارتي علي الطريق الدائري لأكتشف أننا لا نترك مساحة للتأمل، لا في أوقاتنا.. ولا في القاهرة. لا ندع مساحة من وقت دون أن نغرس فيها أي انشغال بأي شيء كان، ولا مساحة من مكان دون أن نزرع فيه مزيداً من الأسمنت والأسفلت.

أكلت المدينة قلوبنا باحتلالها لحظاتنا اليومية.. جرياً في دروبها وسعيًا في طرقاتها، أحيانا أقضي علي الطريق ثلاث ساعات في اليوم في «الزحف المقدس»، فاشتريت شرائط كاسيت القرآن كاملا للشيخ عبد الباسط عبد الصمد لكي أراجع القرآن، علي الأقل نفعل شيئاً في هذا العبث الممل.

نظرت في همومنا فوجدتها قبل حرب الجزائر وبعدها هموما مفتعلة، بشكل عام .. من إنفلونزا الخنازير للنزاعات الطائفية للمعاناة المختلقة للناس، كي ينشغلوا بلقمة العيش في حين يسرق مستوي حياة أفضل منهم من ينهبون أموالهم ويشغلون أوقاتهم، ورغم اتساع المدينة ليس لدينا مجال عام، فكل المساحات إما تمت خصخصتها لفئات دون أخري، من مساحات السياسة للسياحة للترفيه للمشاركة السياسية المقيدة بالأغلال، ففشلنا في أن نجري حوارات عامة حقيقية خارج خناقات الفضائيات، أو نبني رأيًا عاماً، أو نطور رؤية مشتركة للنفع العام والخير العام. حتي الحوار العادي في الحياة اليومية بين الناس صار يغلب عليه العنف والتحدي والاستفزاز المتبادل. في القطار عجز شاب مسيحي عن تبادل كلمة واحدة مع شاب مسلم جلس في كرسيه بالخطأ فلم يعبأ بتوجيه كلمات له واستدعي مسئول القطار فورًا كي يجلسه في المكان الصحيح، ولو خاطب أخاه بشكل لطيف لترك له مكانه المستحق له دون حرج، وفي المترو في عربة السيدات تلقيح الكلام علي القبطيات علناً من المنتقبات دون تجاذب أطراف حديث كما كان يحدث من قبل، لكن لم نعد حتي نبالي بتبادل الكلام والحوار التفاوضي الاجتماعي.. زهقونا أهل الحكم في عيشتنا فزهقنا وزهقت روح المواطنة فينا علي جميع الجبهات.. والأصعدة.

يتيح لي طول الطريق التأمل في العقبات المصطنعة علي الطريق للإهمال الواضح لشرطة المرور وترهل أدائها علي المحور والدائري، التي يدفع الناس ثمنها بمزيد من البنزين والعوادم والأعصاب، فلا يتبقي شيء لمقاومة النظام الذي ارتعش من فكرة عودة البرادعي؛ فكتب أسامة سرايا الجمعة مقالاً مرعوشاً هزيلاً، ولست متفائلة برد البرادعي بأنه سيعود لو هناك ضمانات، يا دكتور هذا هو التحدي: أَنْ تأتي بدون ضمانات وتخوض معركة من أجل الناس، وإلا فشكرًا وتقاعد براحتك في هدوء.

لكننا نحلم بالمخلص الآتي من بعيد، بالمهدي المنتظر، بمحمد علي آخر نبايعه، فأين أدهم الشرقاوي والنديم وسعد زغلول الآن ومن هنا.. مننا ومن قلب المعاناة؟

أحاديث السياسية تطول، لكن ماذا عن أحاديث النفس؟

تفسد السياسة العقول، وفي هذا شرح يطول، كما تفسد القلوب بحب الدنيا وشهوة السلطة وهوي النفوس، فكيف يتابع المرء ما يجري، دون أن تزل الأقدام، أو تهوي الأفئدة، أو يكون للنفس حظ.

أعلم أن قيادة سيادية مثلا تحمل ذكريات لحظة «لف وارجع»، وأن التضييق علي تيارات سياسية وعدم الرغبة في التحاور معها ينتج من ضغينة النفس بأكثر من اختلاف الرأي، ولا شأن له بمصلحة الوطن، وأعلم أن عدم قدرة تيارات سياسية علي التواصل مع تيارات أخري نتج من خلاف قديم بين قيادتين علي الناحيتين فأضحي تقديم المصلحة بتحقيق توافق وتوحيد الجهود أقرب للمستحيل. هوي النفس غلاب، وذاكرة المرء قد تقتل مستقبل الجماعة.

نظرت في كتاب الله يوم الجمعة بعد الصلاة وألحت عليّ آية «إلاَّ مَنْ أتي الله بقلب سليم».. المال والبنون زينة لا تنفع؛ فهي زينة الحياة الدنيا ومناط الشهوات والزلل، طمعاً في مال أو فساد لتأمين مستقبل عيال،من فيلات وقصور إلي جنسيات وحسابات في عرب أو غرب.

كيف يعيش المرء في هَمِّ السياسة دون أن يفقد قلبه السليم الذي يدله عند الفتن إلي الصواب ويهديه عند التباس الرأي واتباع الهوي وعموم البلوي إلي الرشد والحق؟

سألني ألفريد- أحد طلابي في كلية الاقتصاد- سؤالاً بصوته الهادئ قبل أن يتمني لي عيدًا سعيدًا: يا دكتورة: هل يمكن أن يعيش المرء فاضلاً في مجتمع غير فاضل؟.. قلت له نعم، لكنه أمر صعب.. وجهاد. يسري هذا علي مجتمع السياسة كما في الحياة اليومية. نضال يا ألفريد ومهمة ليست باليسيرة.

اللهم أصلح مستقبل مصر علي يد الطيبين من أبنائها.. ونجها ونجنا من دنيا الصراعات والتوازنات والأطماع والشهوات والبلطجة والاعتقالات والفساد والسرقات والنهب والكبائر والخيانات.. بقلب سليم.

اللهم.. قلباً سليماً.