هَزِيمَةٌ مُشَرِفَة

دخلنا في معمعة حرب الكلام وتراشق السهام بين مصر والجزائر حول مباراة كرة. تصرف المشجعون في الجزائر بشكل غير لائق وتراخت السلطات في الجزائر في حماية بعض المصالح المصرية. كان يكفي أن تأخذ السلطات المصرية إجراءاتها، لكن يبدو أن لأفراد في النخبة مصالح في الموضوع بشكل مباشر جعل رائحة الحملة تدخل في مساحة أخري، وتضامن الإعلام وانحدرت لغة الهجوم علي الجزائر إلي مستوي لا يليق بهم ولا بنا. نرجو أن ننظر إلي المشهد المصري جيدا لأنني أعتقد أنه تم تمرير أمور في الفترة الماضية لم نلتفت لها تحت شعار «بُص العصفورة»، لصرف الانتباه عن قضايا أهم- عمداً.

عندي ثلاث ملاحظات ختامية علي المشهد لأنني أعتقد أن الانجراف للاستمرار في الكتابة فيه يخدم من صنعه كمشهد:

أولاً: إن هناك مشكلة نحتاج النظر فيها في موضوع الإعلام الكروي، فقد صار صوته أعلي من صوت العقل والضمير، وأصابه هوس التصعيد، وينبغي محاسبة من تلفظوا بما يخدش الحياء العام والعلاقات الدبلوماسية مع شعوب أخري، وكدت أظن أن سمير زاهر سوف يكون مرشحاً لوزارة الخارجية في أول تشكيل إذا كان اتحاد الكرة سيقرر لنا علاقاتنا بأفريقيا والدول العربية معاً. هذا غير مقبول وينبغي أن يعرف كل جهاز في الدولة حجمه. والإعلام الذي انساق وصب النار علي الزيت لا بد من وقفة معه وأقترح كتابة أسماء من تورطوا في هذا الغثاء كي تتم محاسبتهم سواء بالقانون أو بمساءلة شعبية.

ثانياً: إن توظيف الدين في هذا المشهد كان في غاية التدني، بدءاً من حملة (نقول يا رب) قبل المباراة وكأن ربنا نحن غير رب الجزائر، وعيب والله هذا الاستدعاء للدين في مباريات كرة قدم، ووصولا لبيان طويل عريض وصلني علي الإيميل من المجلس الأعلي لآل البيت يثبت فيه بالبيانات الموثقة والأدلة القوية أن مصر ستدخل كأس العالم 2010 وستنتصر علي المخطط الشيطاني للجزائر!!!!!! ولا تعليق. والأغرب أن بعض الأصوات الإسلامية في الجزائر لم «تكدب خبر» وأصدرت بيانات تدعم فريقها القومي! وصدق الدكتور يوسف القرضاوي حين خرج علي الناس يدعوهم لترك العصبية ودعاوي الجاهلية التي انتشرت في الأجواء.. وحجيجنا وحجيجهم يطوفون حول البيت.

ثالثاً: إن مصر ما زال فيها عقلاء، أكثر من بيان صدر بتوقيعات عديدة، وأكثر من حملة علي الفيس بوك لدعم الروابط بين المصريين والجزائريين وتخطي الفتنة مع التأكيد علي الحفاظ علي كامل حقوق من أضيروا من الأفعال الإجرامية من بعض المشجعين في الخرطوم ودعم حق المصالح الاقتصادية في اللجوء للقانون للتعويض عن الأضرار التي أصابتهم.

رابعاً: إن الأحداث أثبتت أننا أصبحنا مجتمع مشهد ومناظر بامتياز كما سماه جي دوبور المفكر الفرنسي في وصفه مجتمع الإعلام والحداثة المشوهة. مفهوم أن يوقف الدكتور صفي الدين خربوش التبادل الرياضي بين الشباب لبعض الوقت حفاظاً علي الشباب من الطرفين حتي تهدأ الأمور، لكن ليس من المفهوم سحب فيلم إنتاج مشترك من شاب مخرج جزائري، وحظر مشاركة الجزائريين في بينالي للأعمال الفنية ومقاطعة نقابة التشكيليين للجزائر، فإذا لم يكن دور الثقافة والفن في هذه الأزمات المفتعلة هو أن تكون جسرا للتواصل لا ساحات طبل وزمر لتأجيج الأزمة، والمشهد الألطف كان من الفنانين الذين ذهبوا في كامل أناقتهم للأهرامات وعقدوا مؤتمرا صحفياً ..عالمياً. ارحمونا بقي!

خامساً: إنني تلقيت من صديقات جزائريات رسائل حب وود، وحين أرسلت الرد محملاً بتهنئة العيد بالرد علي قائمة من تم الإرسال لهم من أصدقاء كنت أنا منهم علي قائمة المرسل جاءتني المزيد من الرسائل من جزائريين وجزائريات لا أعرفهم يروون ذكرياتهم في مصر ويقولون إن الشعب الجزائري لا يمثله مجموعة مشجعين يحملون الأسلحة البيضاء (يمثل أن الشعب المصري لا يمثله فيلم إبراهيم الأبيض!) وأن روابط العروبة والدين بل الدم ستظل أقوي.

وحدها هذه الرسائل من الجزائر أدخلت علي قلبي بعض السعادة.

صديقتي انصاف باشي، وعايدة عبيدي، وأذكر خاصة رسالة الزميلة آمنة بوآشري التي تدرس معنا في الدراسات العليا بكلية الاقتصاد والتي لم أعرفها إلا رقيقة مسالمة ودودة، وأرسلت لي رسالة تدمي لها القلوب.. في حب مصر وفي نبذ الفتنة، وأن المصريين الذين تعرفهم علي الأقل وسط أهلهم وأحبائهم.

يقف المرء ناظراً للهوس والنفاق والمبالغة والفرعنة والعنصرية الفاضحة والسوء من القول ليقول لمن انساقوا : أليس منكم رجل رشيد؟ ويقول للذين اتقوا الله وتذكروا قوله «إن جاءكم فاسق بنبأ» (وما أكثر الفساق في مجال الأنباء) بارك الله في عقلكم وبيناتكم، ومواقفكم، ووطنيتكم وعروبتكم.

أما آخر الملاحظات، أخيراً وليس آخرا، فهي أنني أرجو أن يكون لقاء الرئيس بالفريق القومي لتكريمه علي الهزيمة المشرفة بداية لتقليد جديد يعكس رؤية ثاقبة للرئيس تطورت مع السن والخبرة والأيام، ومؤشراً إيجابياً علي أنه يقبل الآن أنه يمكن أن تكون هناك.. هزيمة مشرفة. يا رب.