ها قد نزل الشباب الشارع، لكنهم ليسوا شباب الإخوان المنضبط بقيادة الذين شاركوا في جنازات المرشدين السابقين بعشرات الآلاف، ولا هم شباب «كفاية» التيارات المعارضة الذين لديهم حس سياسي «وكانوا يتهمون بأنهم قد يقومون بأعمال تخريب ويتم القبض عليهم»، ولا هم شباب الجامعات المثقف الذي تقف له الكلاب البوليسية وكتائب الأمن المركزي بالمرصاد خارج أسوار الجامعة، لكنهم شباب الأحياء الفقيرة التي تم إكراهها علي العشوائية، كي تعيش بعد أن انسحبت الدولة من رعاية المواطنين فطبقوا استراتيجيات البقاء غير المنظمة ليتمكنوا من العيش. هؤلاء الشباب الذين أطل عليهم من شرفة منزلنا في ميدان التحرير، تلك الشرفة التي شاهدت منها الجموع تبكي وهي ذاهبة لجنازة جمال عبد الناصر، وشاهدت منها الناس تقذف بالحجارة وتهتف في مظاهرات الخبز في انتفاضة الشعب الذين اسماهم «السادات» بالحرامية وهو جالس في قصره،
لقد توقعت السيناريو قبل بدء المباراة، ضرب، فوضي، ثم هيستيريا للنظام دفاعا عن الكرامة المصرية، الذي هو أول من يهينها ويضيعها. وتوقعت أن يتم سحب السفير «ولم يسحب سفيرنا من إسرائيل بعد»، وأزمة دبلوماسية، توقعت كل هذا بتفاصيله المملة، وأتوقع بعد فترة وساطة فرنسية من ساركوزي في إطار لقاءات الاتحاد من أجل المتوسط، وبعد قليل سيكون هذا النظام هو الذي يقول لنا إن مسئولية مصر العربية ستبقي وأنه لا شيء سيفسد العلاقات المصرية الجزائرية، وأن ما بيننا أكبر من مباريات كرة وفوضي غوغاء.ونبدأ حلقة جديدة من غياب الرؤية، وقصور النظرة والبحث عن قضية جديدة نلهي بها الناس.لكن الذين نزلوا الشارع أسبوعا ويزيد لا يفهمون ألعاب السياسة، والذين شاهدتهم في ميدان التحرير عصرا يعبثون بأصص الزرع ويلقون بها في عرض الطريق أمام السيارات وحافلة سياحة ثم يهرولون فرارا في أرجاء الميدان، وغدا ما هو أخطر.
لا يعنيني الحديث عن مشجعي الجزائر، بل يعنيني الحديث عن نظامنا نحن، وسلوكنا نحن، وموقفنا نحن، ومستقبل مصر في المشهد كله، الآن وغدا.
غدا تذهب السكرة، وتأتي الفكرة، وغدا يعرف النظام كيف أخرج العفريت من القمقم، و قطع أوصال التضامن مع المغرب العربي كله بهذا الجنون والنفخ في اللهب، بل بدأ في مواجهة غضب السودان من تصريحات الإعلام عنها الذي يبدو لم يعد يعي فيه أي أحد مصلحة قومية ولا وطنية، وصارت الرؤية القومية والوطنية كالكرة بين الأقدام، ولا هم للجميع إلا المزايدة.. والاستكبار .. والفرعنة.