أفلحت حكومة الحزب الحاكم غير الديمقراطي في وضعي في مأزق، ففي الفترة الماضية لم يلفت نظري أمر واحد بل أمور في أدائها، وتعددت الملاحظات التي أسجلها من مشاهداتي في مفكرة صغيرة أحملها معي، حتي تحيرت في موضوع هذا المقال. أعترف بأن تلك النخبة الحاكمة المدججة بالقوة والبطش فعلياً والناعمة لفظياً نجحت في تجاوز المعدلات المسموح بها دولياً من الكوارث والترهل السياسي حتي أظن أنني لن أملك تغطية كل القضايا والمشاهدات، فقد يستغرق الأمر ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا أحسب أنني سأعيش ما عاشه نوح من عمر، وإن كنت علي يقين أن الطوفان قادم.
> أول مرة وقعت عيني علي شعار مؤتمر الحزب الوطني الجديد «من أجلك أنت» المعلق علي لافتة كبيرة بجوار مقر الحزب، والتي لمحتها وأنا أقود سيارتي علي كوبري قصر النيل، كدت أصطدم بسيارة الحنطور التي تحمل عدداً من السائحين وتتهادي أمامي. وكدت أقع من نافذة السيارة من الضحك. تذكرت فوراً الست في «من أجل عينيك عشقت الهوي»، وترحمت عليها. لا بد من الإقرار بأن من فعلها قد أحسن اختيار الشعار ليكون له دلالة فنية عميقة، أما دلالته السياسية فعلمها عند ربي، فمخاطبة المواطن بشعار ينقل له الشعور بأن الحزب الوطني يغازله لن تؤثر كثيراً في جماهير غفيرة لا تعرف القراءة والكتابة أصلاً لارتفاع نسبة الأمية، فضلاً عن توقع الغالبية التي ستفك طلاسمه أنها ليست معنية بالشعار لأن «..أنت» التي يقصدها الحزب الوطني في الغالب لا تنصرف للغالبية المطحونة التي لا تجد قوت يومها ولا ماء شربها ولا سكناً مستقلاً آدمياً يلمها وبالتالي ستعتبر أن الشعار يشير إلي «أنت» آخر غيرها. خطر لي أيضاً أن الاختيار غير موفق، لأنني بخبثي الشديد وسوء طويتي التاريخي فهمت أن هذا الشعار يصلح شعارا لأعضاء الحزب في مخاطبتهم لجمال ابن مبارك. فلو كان الأمر كذلك سيكون الشعار واقعاً.. وإن كان «من أجل عينيك».. قد يكون: أوقع.
> حين أعلنت الحكومة عن مشروع قانون المرور الجديد وقبل صدوره ذهبت توقعاتي إلي أن الأمر لا صلة له بالمرور ولا بالقانون، بل بزيادة دخل القائمين علي تنظيم المرور، وهو هدف نبيل لكن يمكن للدولة زيادة دخولهم بألف طريقة تتعلق بالموازنة العامة وهيكل أجور تلك الفئة بعيداً عن جيوبنا وعن إقحام القانون في الموضوع.
صدق حدسي، فقد قابلت العديد من المواقف التي تبين ذلك، وفي كل يوم أري أمامي كارثة تمر بقليل من تفتيح الدماغ والميل علي العسكري أو أمين الشرطة. وأنا لا أفتري ولا أتهم «قطاعاً يعمل في خدمة الشعب ويسهر علي أمنه» كما في شعارات ومطبوعات العلاقات العامة في وزارة الداخلية وردودها علي مشكلات المواطنين في بعض الصحف-أحياناً.
كل يوم أري أمامي السخافة علي سيارات الغلابة في اللجان المنتشرة علي المحور والدائري، تمر المرسيدس وبعدها الميكروباص أو التاكسي أو الربع نقل فيتم توقيف ما سوي السيارات الفخمة.
تغولت فئة أمناء الشرطة والعسكر في الشوارع بقوة الزي ومكانة السلطة، وأصبحت الجباية هي الأصل.
لن أتحدث عن الأخطاء الهندسية التي في الطرق العمومية التي يعرفها أهل هندسة الطرق جيدا ولن أتحدث عن فوضي التخطيط للمرور، لكن أتحدث تحديدا عن هذا الفساد الذي صار الأصل لا الاستثناء في هذا القطاع والذي يدمر أي مفهوم لهيبة القانون أو الدولة. أعتقد أن هذا الجرم يستحق محاكمات عاجلة لهؤلاء، فإذا كان لا يجب الاعتداء علي موظف أثناء أدائه مهام وظيفته فلا يجوز ابتزاز مواطن أثناء مسيرته اليومية ، لكن الأهم رفع أجور تلك الفئة قبل تطبيق أي سياسة عقابية.
> أشادت قبائل سيناء بقبول أبنائها بالكليات العسكرية وقدمت شكرها للرئيس ودعمها لقيادته، وقدمت قيادات النوبة شكرها لجمال مبارك علي زياراته «المكوكية» للصعيد.
المشكلة ليست في الجهد والإنصاف، المشكلة في الطبيعة «الأبوية» لعلاقة الدولة بالناس، فالحق الدستوري يجب ألا يكون منة ولا منحة من أحد ولا يوجد في البلاد الجمهورية من يشكر وزيراً ولا خفيراً علي حقه الدستوري، لأن هذا واجب المؤول الوظيفي كخادم عام أو «بابليك سيرفنت» كما يسمونه، من الرئيس.. لأصغر موظف في النظام. والمشكلة الأكبر والأخطر هي في التوقيت. فكل خمس سنوات وكل دورة انتخابات برلمانية ورئاسية والغلابة طيبون.. طيبون علي صفحات الجرائد وأمام الكاميرات ..فقط.