عيد.. رغم أنف الحكومة

عادت لي ابنتي من صلاة التراويح غاضبة، وكنت قد وضعت يدي علي قلبي حين هاتفتني تقول إنها ستكمل الصلاة للنهاية بدلا من العودة مع بدء الدرس الذي يكون في وسط الركعات كما اعتادت.

ليس عندنا خطيب يجذب سمعك وينقل لك معرفة أو إحساسًا إلا فيما ندر، ومن أعرفهم يغادرون مصر في رمضان إما للعمرة أوإعطاء الدروس في أرجاء الأمة.

عادت كما توقعت غاضبة، ترغي وتزبد، وتتهم الخطيب بالمبالغة في الأسلوب والمضمون بل بإعطائهم معلومات خطأ عن الواقع وإشعارهم أنهم المذنبون العصاة بدلاً من فتح أبواب الرجاء والأمل.. وأخذت عليه بعض الأخطاء الفقهية بالمرة.

مشكلتي أنني سعيت لتربية أبنائي علي العقل والحرية، وهذا في هذا الزمن مشكلة..لأنهم يزنون ما يسمعون ولا يقبلون الخطاب الديني التعيس لمساجد لوزارة الأوقاف ولا خريجي الأزهر، هذا الأزهر الذي يعقد كل عام مؤتمرا عن تجديد الخطاب الديني لو أنفق ميزانيته علي التجديد فعلاً لأخرج لنا من يعرفون كيف يخاطبون هموم الناس ويبنون عقولهم ويشفون أرواحهم من أمراض ثقافة الاستبداد والاستحمار والفرعونية التي تفسد علي الناس دينهم.

قبلها بأيام كنت قد حضرت حلقة نقاشية رمضانية صمم الأصدقاء في مركز بحثي علي عقدها في أمسية رمضانية حول قانون الإرهاب الذي هو من ضمن باقة قوانين مريبة يعكف ترزية القوانين علي صياغتها لتصدر قبل الانتخابات القادمة لمجلس الشعب وللرئاسة. والحقيقة أنني جلست في ندوات من قبل لمناقشة مشروعات قوانين أخري فوجدت يد الدولة ثقيلة في الصياغة باطشة في السيطرة، لكن مشروع قانون الإرهاب المزمع صدوره ليس فيه يد الدولة بل فيه قبضة أمن الدولة، وهو قانون يمنعك من التفكير في أي شيء ناهيك عن التحرك لفعله، ويعطي أمن الدولة الحق في احتجاز المواطن المشتبه فيه 30 يوما دون أن يعرف له أحد مكاناً، ثم عرضه علي نيابة أمن الدولة (منهم فيهم) ويمنح أمن الدولة الحق في تفتيش المنازل دون أمر قضائي ومراقبة التليفونات ثلاثة أشهر دون استئذان أي جهة، ومصائب أخري كثيرة يشيب لهولها الولدان.ووجدت أن هذا أيضاً يفسد علي الناس دينهم لأنه يحرمهم من الحرية والأمن، ويحول النظام إلي نظام تخويف وإرهاب للمواطنين يطابق النظام النازي بامتياز..

بعد قراءة المشروع قام صديق من المحامين بالتعليق قائلا إن المشكلة ليست في القانون بل في التعديل الدستوري الذي اختزله في إحدي مواد الدستور رغم أن الأصل هو ألا ينص الدستور علي عقوبات بل مبادئ، لكن التعديل الدستوري أفرد مساحة لمكافحة الإرهاب ونص علي عقوبات وبذلك إذا صدر القانون سيكون من الصعب الطعن في دستوريته، ولابد من تعديل الدستور. يعني الحكومة مهدت بالتعديل الدستوري لكل القوانين التي ستصدرها بما فيها قانون الأحوال الشخصية الذي سمعت من قلب المطبخ السياسي أخباراً غير سارة عنه تجعله قانوناً مدنيا ولا يلتزم بأحكام الشريعة إلا بشكل جزئي ولا يضمن العدالة التي يفتقدها القانون الحالي- علي أية حال-خاصة ضمان حقوق المطلقة التي حصلت علي الخلع ونفقة أبنائها.

اجتمعت الهموم، هم الدين وهم الدنيا، وشعرت بأن عبء أحوالنا شديد الوطأة، رغم أنني حاولت أن أتجنب الفضائيات طوال رمضان حتي لا يتم استفزازي أكثر، لكن أستطيع أن أكتب بمهارة الآن عن كل المسلسلات الرمضانية التي لم أشاهد منها أي شيء لأنها طاردتنا في الشوارع والصحف حتي تحول الوطن لمساحة إعلانية وسمعت أن الدعاية للمسلسلات تجاوزت ميزانية الإنتاج نفسها بستة أضعاف كاملة، اعتماداً علي الإعلانات (الحلقة الجهنمية المعتادة لتحالف الإعلام والإعلان في سوق رأسمالية).

في صندوق بريدي الإلكتروني وجدت تهنئة بالعيد من تلميذتي الإيطالية التي تدرس في القاهرة ماجستير للعلوم السياسية، تسأل عني وعن أحوال الدكتور جمال عبد السلام، هذا القديس الذي أدار لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء بتجرد وإخلاص وتفان فكان جزاؤه الاعتقال المتكرر، الذي تابع حالتها الصحية حين شكت من أوجاع الكلي في الربيع في فترة كان فيها خارج السجن لمدة أسابيع، ثم تم اعتقاله مجددا.

كنت قد نويت أن أهدي هذا المقال في العيد للقابعين في سجون مبارك في ظل قانون الطوارئ ومحاكماته العسكرية، القابضين علي الجمر من الإخوان المسلمين، رغم غيظي وغضبي من الجماعة وسياساتها وتصريحاتها، لأني أعتقد أنهم يلعبون سياسة بنفس مستوي لعب الحكومة للسياسة، وهذا سقف متواضع لن يؤدي لأي تغيير، فزادت رسالتها من شجوني.

محمد المخزنجي كتب – كعادته – مقالا جميلا عن جبروت الفراشة ورفتها وأورد شعراً لمحمود درويش وتحدث عن آخر نتائج بحوث الفيزياء عن أثر الفراشة، الآثار الصغيرة التي تؤدي لنتائج كبيرة.

في كل عيد أقول لا داعي للنكد، قد تكون مقاومتنا للحكومة وفسادها في العيد أن نبتهج رغم أنفهم، أن نفرح رغم قمعهم، وأن نقضي وقتاً طيباً رغم كل ما تفعله بنا وبالوطن مما يدفع للغضب والحزن. أن ننساها في أيام العيد قليلا كما نسيتنا هي كثيرا وأسقطتنا من حساباتها، لذلك: عيد سعيد وأيام جميلة..رغم أنف الحكومة والرئيس.