في اليوم الأول كانت «حسبي الله ونعم الوكيل» وأنا صائمة من نصيب وزارة الأوقاف التي صرح وزيرها منذ أيام في لقاء مع مفتي سنة لبنان أن مصر (والحمد لله) ليس بها مساجد للشيعة، فماذا عن حال مساجد السنة في طول البلاد وعرضها يا وزيرنا الدكتور العلامة الكريم؟
أخذت أبنائي في أول يوم رمضان، قلت أسلي صيامهم بالتجوال في المساجد عسي الله أن يجعلهم من المعلقة قلوبهم ببيوت الله، بعد أن استيقظوا بعد صلاة الظهر بعد سهر أول ليلة في رمضان توجهنا لصلاة العصر في مسجد السلطان حسن، قلت فرصة والمسجد مازال يحمل لمسات الاهتمام التي حظي بها في زيارة أوباما نزوره في أول يوم في رمضان، وقد نجد الشيخ أسامة السيد الذي أنصت لخطبته في الجمعة فأجد عقلاً وحكمة ترشحه مع الأيام أن يكون وريثاً لعظماء أئمة الأزهر فأجعل ابني علي الدين يقبل يده لينشأ محباً لأهل العلم ومتخذًا هؤلاء قدوته (والذي أسميته علي اسم الشيخ الدكتور علي جمعة العالم الجليل وأستاذ أصول الفقه).
الصدمة الأولي: باب مسجدي الرفاعي والسلطان حسن الرئيسي.. مغلق! في أول يوم رمضان!
يا ساتر يارب.. هل هذه مصر؟
ندخل من باب جانبي تدلني عليه ابنتي نوران التي تتجول في تلك المنطقة مع أصدقائها لأنها تهوي التصوير خاصة النوافذ العتيقة والأبواب القديمة ومداخل المساجد.
ندرك العصر جماعة في مسجد الرفاعي..
شتان بين سقف المسجد وأرضيته!
السجاجيد القديمة منحولة بالكامل وفي السجود تشم رائحة تراب مذهلة تزكم الأنوف، وعند الاتكاء علي الحائط تلاحظ التراب المتراكم بجوار الحائط وبعض الحصي. مسجد كهذا لم تطله يد العناية منذ سنين.(في جريدة الأهرام مع مطلع رمضان وجدت بعدها أن أحد الزملاء الصحفيين كتب إشارة بالصور لهذا الموضوع).
حسبنا الله ونعم الوكيل..
كررتها حين خرجت فواجهتني أكوام صغيرة في الساحة الجانبية للمسجد والتي لها طبيعة غير مستوية، وتأملت في المسجد من الخارج فوجدته بحاجة لترميم ويعاني من الإهمال الواضح الذي سعت الأوقاف للتعمية عليه بطلاء السور الحديدي عند زيارة أوباما التي اكتشفت معها لأول مرة أن بالميدان نافورة لأني مررت قبل قدومه بيومين فوجدت العمال يصلحون الرخام ومواسير المياه وينظفون الحديقة من المخلفات.
هذا مسجد في قلب القاهرة، فماذا عن مساجد باقي الجمهورية التي يهيمن عليها الوزير ويفتخر بأنها تحت هيمنة الدولة (والأمن).
هذه مساجد حالتها تدفع الناس لهجر المسجد وليس لتعلق القلب به!
بعد الصلاة مكثت أنتظر ابني علي الدين حتي ينهي تسبيحه فوجدت خادمي المسجد يطاردون سائحاً دخل المسجد ليقوم بتصوير السقف الذي يمثل تحفة في نقوشه وأعماله الخشبية. كلمات قليلة ومد الرجل يده في جيبه، وأعطاهم ما فيه القسمة، فأشار له خادم المسجد إشارة سلطوية فرعونية بالسماح، فتجول قليلا ثم خرج.
لم أفهم لماذا لا يتم الفصل بين خدمة المسجد وتنظيفه ورعايته واستقبال رواده. ليس من شأن خدم المسجد الذين معهم بالكاد شهادة محو أمية توجيه المصلين ولا استقبال الزوار أو السائحين. هذه مهمة الدعاة..وقد قابلت في مسجد أهل الكهف في عمان بالأردن شاباً يستقبل الزائرين من حملة شهادة عليا في الشريعة الإسلامية ومعرفته بالتاريخ مذهلة. فكانت المقارنة قاسية ومؤلمة.
مساجدنا كانت تحظي برعايتنا، تاريخياً كانت الأوقاف تحفظ لها نظافتها وترميمها وتنفق علي من يصونها ويعلم الناس دينهم فيها، وكانت تمول العلم وأهله..وبأموالنا أقمنا الأسبلة لتوفير الماء وأطعمنا فيها طلبة العلوم الشرعية والشفقراء.
ثم جاءت الدولة الحديثة، أممت المساجد وأممت الدين وأممت المنابر، فلا هي حفظت معايير الصيانة ولا هي حفظت الدين، حتي صار البحث عن خطبة جيدة ينصت لها المرء (..أو المرأة) في صلاة الجمعة كالبحث عن معجزة.
في صلاة القيام ذهبت في إحدي الأمسيات لمسجد «الرحمن الرحيم» الذي أقامه الحاج العربي علي طريق صلاح سالم، هكذا يجب أن تكون المساجد، كان إمام الصلاة الدكتور محمد المختار المهدي رئيس الجمعية الشرعية، وكان المسجد والدرس والترتيل من أروع ما يكون.
الأصل أن تكون إمكانات الأفراد أقل من إمكانات الدولة، وأن تكون مساجد الدولة بجيش الموظفين في وزارة الأوقاف أكثر انضباطاً ونظافة وصيانة ورعاية، لكن الدولة في خدعتها التاريخية قدمت لنا الوعود ولم توف بها، لا هي وفرت الأمن ولا حفظت السيادة ولا ضمنت الرعاية والحد الأدني من العيش، فعاملتنا معاملة المرأة التي ستدخل النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض..! فإذا كان هذا مصير من ظلمت هرة فما مصير من ظلم أمة؟
..ويظل في قلبي حنين لصلاة جمعة صليتها منذ عام في المسجد الأزرق في اسطنبول، قالوا لنا ما أسوأ العثمانيين، ولقد كانت صلاة كأنها في أعلي عليين، مسجد ينضح بالنقاء والطهارة الحسية والمعنوية، إمام يرتدي زياً في غاية في الأناقة والرقي، صوت أذان يخطف القلوب وتقشعر لهيبته و لروحانيته الجلود، وجو عام من الخشوع والاحترام أبكاني حزناً علي حال مساجدنا التي تحولت حدائقها وساحاتها لمقالب للقمامة ومخازن للكراكيب. إذا كنت مصرياً وحكم الله عليك أن تصلي في مساجد الأوقاف المهملة فلا تنظر حولك، واعلم أن مسجدك في قلبك، وموضع سجودك هو أرض الله كلها.
حسبنا الله ونعم الوكيل في وزارة الأوقاف..في رمضان.
جزاك الله خيرا ايتها الدكتورة فقد ابدعت في التعبير عما يمزق قلوبنا و لا نعرف كيف نعبر عنه