رحلة البحث عن المعنى … والدفاع عن الانسان

 

بعكس ما نظن ان بداية اي مشروع فكري يجب ان تكون من على منصة الجامعة أدركت الدكتورة هبة رؤوف عكس ذلك عندما تعرفت على المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري في بداية انطلاقة مشروعه الفكري في بداية التسعينات وكان ذلك عندما قرر ان يستقيل من الجامعة ليعطي اشارة وليؤكد للباحثين والمفكرين ان الجامعة ليست هي المكان الذي تبقى فيها المشاريع الفكرية حبيسة جدرانها وانما هناك مشاريع فكرية قد تنتشر في مراكز بحثية ومناطق جامعية وبالتواصل مع مختلف العقول من الطلاب والباحثين والمهتمين كما كان يفعل رحمه الله.وكان هذا بداية ادراك الدكتورة هبة رؤوف لمشروع الدكتور المسيري والذي حدثتنا عنه.

 

 

مشروع  المرحوم عبد الوهاب المسيري هو مشروع يتجاوز المؤسسات فهو مشروع يحرص على بلورة تصور للعالم ينطلق من رؤية عربية واسلامية وانسانية واضحة.

فقد كان مفكرا موسوعيا انطلق من تخصصه الاصلي كأستاذ في الادب ثم انتقل الى دراسة التاريخ اليهودي ثم دخولا في التخصصات الاجتماعية من التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع الى الادب و استخدام اللغة وفهم المصطلحات واهتم في تحليل الغرب ونقدهم والحداثة ثم اهتم بالنضال الفلسطيني وكان يتحدث عن الانتفاضة ليس من منطلق انها امة من حقها ان تدافع عن ارضها وتسترد حقوقها وانما يتحدث عنها طوال الوقت في منظومة متوازية مع رؤيته للعالم وللغرب وللامبريالية وللاستعمار وللحركة الصهيونية ثم لاستعادة الكرامة والوعي من خلال نموذج الانتفاضة.

ومن أهم المداخل لمعرفة المشروع الفكري للمسيري لابد لنا من رؤية عابرة متجاوزة للأطر تقوم على المقارنة بين مانريد أن نقدمه للعالم من رؤية وتصور وبين ما يقدم لنا من رؤية وتصور والذي لا يقدم لنا من باب التواصل والتفاعل او من باب الاختيار ولكن يقدم لنا من باب البديل الاوحد، وهذا ما كان يرفضه الدكتور عبد الوهاب المسيري على طول الخط وأنه لابد لنا أن نبحث ونقارن بين الاطر الحضارية خاصة الأطر التي تقدم نفسها باعتبارها الاجابة النهائية والتي تعلن عن نهاية التاريخ ومن الملفت ان الدكتور المسيري كانت من بداية كتبه كتاب عن نهاية التاريخ والحركة الصهيونية أدرك ان فكرة ادعاء ان التاريخ قد انتهى وان هناك مسعى واحد في ممارسة الفكر والنماذج الحضارية وأن النماذج التي تطرح نفسها كبديل اوحد قد استكرهنا عليها ولا بد من تقديم تصور واضح لما يجب ان نقدمه من نماذج حضارية تكشف قصور هذه الاطر الحضارية التي تفرض علينا.

 

 

والطريقة المثلى للتعامل مع عالم المسيري هي قراءة سيرته الذاتية التي قد كتبها بذكاء شديد عرضا مجازا ومنظما لأغلب أفكاره وسبب كتابة كتبه وربما الدرس الأكبر الذي يفيد الباحث والمفكر في استعراضه مشروع عبد الوهاب المسيري هو صياغة مشروع فكري وإدراك المفكر بوعي الحضاري لامكانية النهضة وصياغة مشروع انساني للنهضة يقابل ويعارض ويناضل مقابل المشروع الاستعماري الامبريالي الذي تتجلى معالمه من خلال الذراع الصهيونية في هذه المنطقة ولابد ان يكون مشروعا انسانيا ووجوديا.

 

ومن الظلم ان يختزل مشروع المسيري في ان ما قيل ان اعظم ما كتب هو الموسوعة الصهيونية لان هذه الموسوعة كانت مناسبة للحديث عن الانسان وان هذا المشروع هو مشروع ضد الانسان من خلال استلاب الارض واستلاب الفكر.

ومما ميز مشروع المسيري بانه حاول ان يرسم خريطة بشكل واسع وان يطور افكاره في مجالات وتخصصات مختلفة وان يحول مشروعه الى مشروع جماعي فكان يدعو الى افكاره ويدعو من يشاركه هذا الفكر.

 

بعد الموسوعة يأتي مشروع التحيز كبلورة كبرى لمشروعه بعد الموسوعة والتي تدعو الى الاجابة عن كيف يمكن ان نكشف عن التحيزات الكامنة في الفروع المختلفة للعلوم ليس فقط الاجتماعية انما ايضا العلوم الطبيعية التي تنحاز الى رؤية معينة للانسان وللعالم.

 

وإذا بدأنا في استعراض بداية اهتمام المسيري بالغرب وبفكرة انه لانهاية للتاريخ نجد ان تحليله للعالم الغربي من خلال كتبه عن الغرب تحدد المسار الاوسع لاحتكاكه بالحضارة التي تسود هذا العالم، من هذا الاطار حدد المسيري فكرته ان النموذج الصهيوني تتجلى فيه بوضوح تلك الابعاد التي تركز على المادية ومحو التاريخ واستلاب الذاكرة والهيمنة المطلقة والنظر الى هذه الارض التي تم احتلالها باعتبارها ارض بلا شعب وبلا تاريخ وبلا هوية وطوال الوقت عندما يطور رؤيته للنموذج الصهيوني يطور رؤيته للنموذج المادي الذي أكد مع الوقت انه لا يتجلى في منطقة جغرافية معينة وبالتالي نحن نتحدث عن الغرب كنموذج مهيمن على العالم من خلال مشروع العولمة فالصراع ليس على منطقة معينة انما على نموذج معين يحاول الهيمنة فبالتالي نحن نحارب هذا النموذج.

 

وقد اهتم المسيري ان ينظر الى المادية والعنصرية والصهيونية معا فبالتالي من يقرأ الموسوعة قراءة تعمقية ويجردها بعض الشيء من التفاصيل المرتبطة بالصهيونية والبهودية يجد فيها منهجا مهما لدراسة الحالات المختلفة التي استعرضها بدراسة تاريخ الجامعات المختلفة لتطوير مفاهيم نظرية من موضوع بعينه مثل موضوع الصهيونية مثل مفهوم الجامعات الوظيفية ومفاهيم اخرى كمثل التي تحدثت عن فكرة أرض الميعاد.

 

ومن خلال الموسوعة الصهيونية ودراسة الغرب تولدت للمسيري فكرتين بدأ يشتغل عليهما بدأب واهتمام اولها فكرة العلمانية التي أصبحت اساس تحليله للنماذج الفكرية والمعرفية وانها لم تكن نماذج مفصومة عن بعضها البعض وانما كان يلحظ طوال الوقت تسربا لبعض المفاهيم العلمانية التي تفصل الانسان عن مكانه او التي تتقبل الظواهر والقشور ولاتنظر للجواهر والمقاصد وكان دائما ما يضرب امثال من الواقع يظهر كيف تسربت بعض الافكار كفكرة الحط من الكرامة الانسانية وتكريس فكرة الصراع .

 

وكان من أهم كتبه التي لم يلتفت لها البعض هو كتابه “اليهود السوفييت” الذي قام من خلاله بتحليل المجتمع اليهودي والذي تنبأ من خلاله بتفكك اليهود وبزيادة درجة التنازع وأن هذا له أثره السلبي على اعادة تعريف ” من هو اليهودي؟” وقد صدق ما تنبأ به وتكرر سؤال من هو اليهودي بين الاوساط اليهودية وبدأت النزاعات تظهر والتشتتات وهناك الان اعداد من القتلى تسقط نتيجة الاختلافات العرقية والمذهبية والفلسفية. وكان هذا الهدف وراء اي كتاب يكتبه وهو ان نتعلم كيف نفسر اي ظاهرة ونتعامل معها وان كانت ظاهرة سياسية.

 

ومن المداخل الهامة لمشروع المسيري هو مدخل الانسانية فكما ذكرنا عندما يتحدث المسيري عن الانتفاضة فهو يتحدث عن تحرك ارادة الانسان وامكانية ذلك الانسان الذي لا يملك اي مقومات للمواجهة ان يواجه ويصمد وان يكسر تلك الصورة التي رسمها العدو لنفسه انه لا يقهر وهو الصراع الذي كان دائما موجودا ضد الاستعمار طوال الوقت .

 

كان تواصل المسيري مع التراث الرومنتيكي الغربي الذي رفض هذا العقل الدارويني الذي يهتم بالرشد المادي فقط والحسابات المادية فقط فكان يهتم ان يتواصل مع التراث الغربي الذي يحتفي بالانسان ويؤكد ان الانسان لا يمكن اختزاله في المادة.

 

عندما تقرأ للمسيري لا تأخذ ما يكتب وفقا للعنوان تجاهل العنوان وفتش داخل الكتاب عما يخبؤه لك المسيري داخل هذا الكتاب من حكمة او معنى بعيدا عن العنوان لانه دائما ما يخبئ لك المفاجآت فتقرأ كتابا معينا له فتجد درسا بليغا مليئا في التعامل مع المعلومات المعلومات بعيدا عن الموضوع  الذييتحدث فيه.

 

كان المسيري في أغلب كتاباته يبحث عن المعنى ، ما هو المعنى الذي يكمن خلف الانسان ؟، ماهو المعنى الذي نجده خلف هذا الكون والنسق الذي يحكمه؟، ما هو المعنى الذي نمنحه ويمنحنا الوجود في هذه الحياة؟، ماهو المعنى للمفاهيم والمصطلحات ولا ندرك انها تشكل واقعنا؟

كان هذا مسعاه الرئيسي وهو البحث عن المعنى وهذا قاده الى التشكك في أدوات المعرفة وان هناك مشكلة في الادوات التي نستخدمها في تحليل الواقع وفي العلوم وان هذه المناهج الجديدة في دراسة الادب تريد ان تضع مقابلة او تطابق تام ما بين المعنى واللفظ في حين ترى ان التراث يضع لك مسافة ما بين اللفظ والمعنى لانه يتيح التأويل والمجاز وهذا منهج في التفكير تظهره اللغة العربية للعالم انني لا استطيع ان اطابق كل ما اراه بالحقيقة هناك دائما مسافة من الشك ومن الغيب وهناك دائما مسافة–كما يسميها المسيري- “مسافة الله أعلم”، ومن خلال مناقشاته مع متخصصين في علوم مختلفة وجد ان الجميع يحمل هاجسا في داخله لكنه يخفيه بان هناك خلل في بعض الفلسفات في بعض العلوم وان على الجميع ان يبحث في التحيزات الموجودة في العلوم المختلفة وكان هذا الهاجس هو ما تشكل وما تبلور في كتاب التحيز .

 

كانت أهم رسالة يعلمها المسيري لمن حوله كيف يفسر كل ما حوله وان يلتقط الاشارات التي يراها في الفضاء العام وينظر الى النماذج التي تتحكم فيها حتى يصبح قادر على ترجمة كل ما يراه حتى الاعلان الذي يراه في الشارع.

 

أما عن أهم التحيزات التي رآها المسيري في كتابه التحيز والذي شاركه فيه العشرات من الباحثين في تخصصات مختلفة كانت ان النموذج الحاكم على التفكير وعلى النماذج المعرفية وعلى العلوم المختلفة هو التحيز للمادة على حساب الانسان والتحيز للعام والسياسي على حساب الخاص والانسان والتحيز للمحسوس والمحدود والمُقاس، والتحيز للبسيط والواحد والمتجانس على حساب المركب ، والتحيز للموضوعي على حساب الذاتي، والتحيز للمصطلحات الدقيقة الوصفية على حساب المجاز، والتحيز ضد الغائية والخصوصية وتفضيل اللغة التي هي اقرب الى اللغة الرياضية التي تفرض النظرة الامبريالية وتحكمها بالعالم والتي دمرت اقتصاد العالم.

 

و من خلال نموذج المسيري المعرفي ومن خلال مشروعه الفكري ومن خلال المنصة التي جمع عليها الباحثين في مختلف التخصصات اراد ان يبني عالما من أهم ميزاته:

- انه نموذج نابع من التراث ولا يتنكر للتاريخ لكنه يستشرف المستقبل.

- ان ينطلق من الانسان باعتباره الغاية الكبرى من هذا الكون.

- الايمان بالنموذج المعرفي التوليدي وليس التراكمي.

- طرح علمي بديل يحاول ان يصل الى يقين غير كامل وان تصبح المعرفة اجتهاد.

- بناء مصطلحات جديدة تعبر عن الوقائع المختلفة والذي لا يختزل الانسان في المادة فقط.

 

البعد الاخر لمشروع المسيري هو البعد الانساني فقد كان هذا الانسان الذي يحتفي بالاسئلة والذي يحتفي بالنقد ويحتفي بصغار الباحثين كي يولد لديهم القدرة على الثقة بالذات والجرأة التي انتزعها انتزاعا عندما قرر اعادة بناء المنظومة التي يتعامل معها في اطار دراسته للادب الانجليزي ليعطي للباحث ثقة انه اذا وجدت شكا او هاجسا فيما تقرأه فلا تتهم عقلك وتقلل من شأن نفسك ولكن طور ادواتك ثم انظر كيف يمكنك النقد، فكان المسيري صاحب مسار ومسيرة يحمل العلم الذي نتعامل معه وندرسه ونتعلمه ويأخذه الى مسرى اعلى من التعامل مع الظواهر التي لا نراها بعيوننا وانما نعلمها ونتعلما من معاني الكرامة والغيب وما وراء هذه الطبيعة الذي يجب ان ندركه ونتعلمه ونتواضع امامه لانه في النهاية “الله أعلم”.

 

 

انتهت

 

محاضرة للدكتورة هبة رؤوف بتاريخ 8-8-2009- في المعهد العالمي للفكر الاسلامي- الاردن

عنوان المحاضرة : المشروع الفكري للمرحوم عبد الوهاب المسيري