تحدثنا عن قيمة القانون والمساواة في الجمهورية، وعن وجود نظام، وحضور المواطن في تحديد مستقبل الوطن.
في جمهورية محترمة يصبح استشراف المستقبل ممكنا، ويصبح الرهان علي استمرار توجه عام لاستراتيجية الدولة ودورها وحركتها الإقليمية والدولية واردا إلي حد بعيد.تتغير الأنظمة ولا تتغير الدولة..ولا ترتبك الجمهورية.
تريد أن تعرف إذا كانت مصر حقاً جمهورية؟
طيب من الذي سيخلف حسني مبارك؟
لا أحد يعرف.
سألت وزراء وخفراء ونساء وخبراء وشباباً وكهولاً. لا أحد يعرف.
وصلتني رسالة من مجهول علي هاتفي النقال يوم خطاب أوباما تقترح :«عمر سليمان رئيسا لفترة انتقالية». تعجبت لسذاجة المرسل، فهل نناضل من أجل إنهاء حكم مبارك وتأسيس نظام جمهوري حقيقي يتم فيه تداول السلطة كي يأتي لنا بدلا منه رئيس المخابرات الذي يدير ملف السيادة لكنه ليس له خبرة بالسياسة؟
هل هذا أقصي الطموح، التراوح بين من تجاوز الثمانين ومن يقترب منها؟ هل هذا آخر ما تفتق عنه ذهن بعضنا؟
في جمهورية محترمة لن يكون الأمر خبطة حظ أو حلمًا بلا أساس ولا دليل ، بل نظام يعرف فيه الناس رأسهم من أقدامهم وأمسهم من غدهم.
علي الجانب الآخر في جمهورية محترمة تعرف الدولة إلي أين تتوجه وتتعامل مع المحيط الإقليمي والخارجي باعتبارها دولة مركزية وليس باعتبارها لا أختا كبري ولا خالة ولا عمة أحد. حين تختلف تترفع عن الردح وإساءة الأدب، وحين تصالح لا تمن ولا تؤذي. دولة ..جمهورية..مستوي مختلف من الأداء، بعيداً عن السلوك الذي لا يليق بتاريخ وحضارة.
يكفي أن يكون موقفنا أن انتخابات لبنان نتابعها باهتمام ونهنيء الشعب اللبناني الذي انتخب بعضه قوي 14 آذار واختار البعض الآخر تيار الممانعة وخسر عون أصواتا وتأرجحت بعض الخيارات الطائفية..ليس هناك خسارة واضحة، حزب الله لم يهزم ولم يعترف بالهزيمة، بل قبل بفروسية نتائج الانتخابات وعليه أن يجلس ويراجع حساباته وأخطاءه. قال ذلك السيد، وقاله سعد الحريري، بل قاله الصديق زياد بارود- وزير الداخلية اللبناني-: في لبنان لا أحد يخسر، لكن الشماتة التي كتبت بها مانشيتات الجرائد القومية والتحليلات المسفة التي تهين، هي في الحقيقة لم تنتقص إلا ممن كتبوا، وكأنهم أحبوا أن يروا كلمة الهزيمة بعد اسم حزب الله. فلا هو هزم ولا غيره انتصر، بل لبنان الحر يمارس ديمقراطيته الهشة كالمعتاد ويحرك المياه الراكدة ويستعصي علي الانكسار. لكن لأننا نتحرك بعقلية الأخت الكبري التي إذا رضيت تدللت وإذا غضبت «اتقمصت» وإذا ثارت شتمت، فنحن لا ندير أمورنا كجمهورية..البتة.
خذ مثالا آخر، إقرار مقاعد المرأة في البرلمان، مازال بعض المراقبين يراها غير دستورية تنتقص من المساواة، ويراها البعض الآخر تحديا للتيار المحافظ (الإخوان)..مكسب المرأة علي حساب مقاعدهم في البرلمان القادم، ويري فريق ثالث أنه إنجاز.
هل لدينا فعلا قوي محركة للشارع ستدفعه لانتخاب النساء؟ وهل سيتم وضع الأسماء علي أجندة الأحزاب؟
سؤال ما زال غير محسوم، لكن في جمهورية حقيقية، المكاسب نتاج نضالات القوي المختلفة، ولا أعتقد أن نضال غالبية النساء هو الذي أثمر حصة تلك المقاعد، وأتحسب من ملئها بنساء لا تتوفر لهن القدرات ، ونكون قد قدمنا الشكل علي المضمون. عموما المضمون هش هو الآخر في المجلس..مش فارقة.
في جمهورية حقيقية، هناك شفافية في كل القطاعات، لا يوجد مساحات في السيادة مسكوت عنها، ولا يوجد إخراس لألسنة من يسألون عن دور بعض الأجهزة وبعض الوزارات. لكن عندنا الأمر مختلف. الصناديق السوداء كثيرة، والعين بصيرة، واللسان يسكت أحسن له.
عودة الجمهورية تعني عودة الناس..لكن الناس فقدت الحماسة والأمل والرغبة. سنوات طويلة من اكتساح السوق وسياسة السوء وخذلان النخبة ونهم المثقفين للمناصب والمال..مشكلتنا ستبدأ باستعادة الناس وعودة المواطن لتغيير المشهد.
الفئة الوحيدة التي تتحدي وتبدع وتشاغب وقادرة علي السخرية بأفعالها اليومية هم الشباب.
وعيهم رفيع، ومتابعتهم لا بأس بها ، وأحلامهم طازجة، وأفكارهم مرتبكة لكنها حقيقية.
فقدان الأمل جعلهم يرتطمون بالقاع، والآن يحاولون الصعود للسطح من جديد. هؤلاء النشطاء علي الفيس بوك والمتابعون بالنكات والرسومات الساخرة للمشهد السياسي والمطلعون علي ما يجري في العالم هم البوتقة التي ستخرج منها تكتيكات جديدة للمراوغة والمناورة مع الديناصور، وإجباره علي الحركة في النهاية.قد تؤدي حركته إلي خسائر، لكن التغيير ليس مجانياً، بل له ثمن، وقد تحدث بعض المفارقات، لكن أي تغيير سيكون أفضل من تحول هذا الوطن إلي متحف كبير للحفريات.
في جلسة مع مجموعة من الأصدقاء تساءلنا عن الطريق، من أين سيأتي بصيص النور وبذرة الأمل؟
اتفقنا علي كلمتين: الشباب..والتفاؤل.
لن نستعيد الجمهورية بكآبة مظلمة تخنق الروح ولا رهان علي نفس الأجيال التي أودت بنا لهذا السعير.
الشباب ..والتفاؤل.
وللحديث بقية.