الجمهورية هي نظام يحكم فيه الشعب، فالكلمة أصلها اللاتيني «ريس-بوبليكا» أي الانتماء للشعب، أو إدارة الأمور العامة، أو حكم الجماهير. والـ«بوبليكوس» هم الجماهير. أي أننا يمكن أن نستخدم الكلمة في تقاطعها مع حكم الأمة، وسلطات الأمة، والمصلحة العامة، والمواطنة.
والجمهورية صفة تطلق أيضاً، فالفكرة الجمهورية تعني أن المواطن ليس له فقط حقوق كفلها الدستور بل مسئولية مباشرة في ممارسة هذه الحقوق
لتخرج من النص إلي الواقع، وحمايتها حتي لا تضيع. وممارسة الحق هي في ذاتها ضمانة وحماية له..لأنه لو بقي نصاً قانونياً لا يمارسه أحد فإنه سرعان ما يتم نسيانه، وتحكيم منطق القوة والنخبة والاستبداد، في ظل أحسن دستور في الدنيا. ومن هنا كان الحديث في الفكر السياسي عن الحرية الإيجابية والحرية السلبية. الحرية السلبية أن تسمع عن دستور يحمي حقوقك وتجلس في البيت يوم الانتخابات وتقول: القانون فيه حقوق لكن أنا لا أحد يجبرني علي أن أشارك. حقي مكفول ومن حقي ألا أستخدم حقي، ويرفض أنصار هذا الرأي فرض غرامات علي من يتخلف عن ممارسة حقوقه الدستورية. أي أنه مواطن كسلان. أما أصحاب الرأي «الجمهوري» فيرون أنك إذا لم تمارس حقك تآكل، وأن النضال من أجل الحقوق والمواطنة مستمر، وأنك إذا لم تمارس حقك فإنك تهدر نضال من حاربوا من أجل أن تحصل علي هذا الحق، وتهده بالإهدار وأن يوضع في ثلاجة، فتنشأ أجيال تنسي أن الحق موجود، بما يهدد بتغيير القانون دون أن يتحرك أحد، لأنه لم يكن يشعر أصلا بوجوده ولم يرتب حياته علي ممارسة الحق فيعطيه الوقت والجهد ويدخله في نظام حياته-كمواطن.
الجمهورية أيضاً تعني أن هناك جمهوراً، ولهذا الجمهور ينسب كل ما هو عام، المصلحة العامة هي مصلحته، والمجال العام مجال حركته، والرأي العام هو رأيه، والملكية العامة هي ملكيته المصونة لا يملك أحد بيعها أو التصرف فيها، والنظام العام هو منظومة القيم والمبادئ التي تعلو علي الدستور والتي منها يستمد قيمه، والفلسفة العامة هي الرؤية الاستراتيجية الحاكمة لكل هذه المنظومة، البوصلة للثقافة والسياسة والاقتصاد والاجتماع.
وأخيرا الجمهورية تعني أن الحاكم ليس فرعوناً جالساً علي عرشه في منتجعه حتي آخر عرق ينبض في جسده وآخر دقة في قلبه وآخر نفس فينا قبل أن يزهق أرواحنا، بل هو «أولي الأمر منكم».ومنكم هذه تحتها ألفان وخمسمائة خط، منا مشاعراً وولاءً وانتماءً، ومنا عيشة وحياة ومسار لليوم، ومنا وسطية في العمر والأحوال، ومنا فينا لنا..بجد. وأنه يخضع لمبدأ المحاسبة عن أفعاله، وأنه لا يرث الحكم ولا يورثه، لأنه من الجماهير..والتي هي قادرة علي أن تخرج من يخلفه يعددها، كل مواطن قادر علي أن يكون رئيساً للجمهورية، لكن لأنها مهمة ثقيلة وحساب الجماهير له عسير ففي الغالب لن تجد من يبحث عن هذه السلطة، وكان البعض يفر منها، ويشفق علي نفسه من حسابها في الدنيا..والآخرة. الجمهورية لا تعرف حكم الفرد، ولا الحكم علي التأبيد..ولا شخصنة السلطة في واحد تتحرك المسيرة بتوجيهاته المباركة ونسير علي وقع خطوته البطيئة في حين يقفز العالم بخطواته الرشيقة علي سلالم المستقبل ويتقدم.
ليس هذا ببعيد عن مشهد زيارة أوباما التي أصبحت موضوع المواضيع وحديث الخبراء من جهابذة السياسة والإعلام الذين نصبوا موائدهم المستديرة علي شاشات الفضائيات المسطحة وجلسوا يتناوشون ويتنافسون في تقعير الكلام لتفهيم العوام تفسير كلام أوباما الهُمام. الرجل قال خطبة بسيطة أقرب لحديث العلاقات العامة، لكن ليس معقولا أن ترتدي أحسن بذلة وأفخم رابطة عنق وتكون من النخبة التي تمت دعوتها للجلوس تحت القبة التي تكلف تنظيفها ورصف الحرم الجامعي وتلميع نوافذه الزجاجية ومقابض أبوابه النحاسية ما تم تقديره بـ 15 مليون جنيه «ذهبت لمن وظيفتهم أن يفعلوا ذلك كل يوم وكل شهر وكل سنة بشكل دوري ويتقاضون من أجل ذلك رواتبهم! أرزاااااق»، أقول ليس معقولا أن تفعل ذلك وتقول للأقارب والأصحاب أنك ستذهب لحضور خطاب أوباما ثم تخرج فتقول كان الخطاب ضعيفا وأن الرجل علي ذكائه ولطفه ومهارته الخطابية وحضوره والقبول الذي يتمتع به وديمقراطيته وكونه يرمز لروح جديدة لأمريكا في الداخل- رغم كل ذلك لم يقل شيئاً! لا بد أن تخرج وتقول كان خطابا مهما وكانت لحظة تاريخية محورية جبارة وأن كلماته تفتح صفحة جديدة وتغلق صفحة قديمة وترسم خارطة طريق وتنقذ الغريق وتطفئ الحريق. وأن تسهر في البرامج تتحدث وتتحدث وتتحدث..«برضه أرزااااااق..».
المشهد لطيف والمولد مر بسلام بعد أن أجلست القبضة الأمنية لوزارة الداخلية الناس في بيوتهم ومنعت من يطل بيته علي طريق الموكب من فتح الشبابيك ونشر الغسيل، وأغلقت المتاجر، واحتلت الشوارع بالكامل لمنع من تسول له نفسه التظاهر أو الاحتجاج علي سياسة أمريكا أو دخول سفير أبناء العم حرم جامعة القاهرة وقد جددت «السفارة في العمارة» العلم ليبدو أكثر بياضاً..خفاقاً أعلي كوبري الجامعة.
في جمهورية حقيقية كنا سنجد مظاهرة لطيفة في ميدان التحرير ترفع شعارات «كفااااية احتلال كفااااية ضرب للمدنيين في أفغانستان كفاااااية دعم لجرائم إسرائيل» وكان شكلها سيبدو ديمقراطيا وجمهوريا والله علي الشاشات من باب التوازن، لكن لأن هذه ليست جمهورية بل دولة بوليسية فإن الناس تم إسكاتها لكي تمر الزيارة بسلام، والجامعة تم تفريغها من طلابها وإلغاء الامتحانات، وانتقاء الطلاب الذين يحضرون الخطاب علي الفرازة، وتم رصف الشوارع وتعليق الزينة وتلميع نوافذ جامعة القاهرة وتعليق يافطات كبيرة باسم محافظة الجيزة تحجب أي مبني متهالك أو أرض فضاء قذرة في طريق الموكب. زيارة أوباما كانت مناسبة لمزيد من التفكير في مفهوم الجمهورية. وللحديث بقية.
الجمهورية أيضاً تعني أن هناك جمهوراً، ولهذا الجمهور ينسب كل ما هو عام، المصلحة العامة هي مصلحته، والمجال العام مجال حركته، والرأي العام هو رأيه، والملكية العامة هي ملكيته المصونة لا يملك أحد بيعها أو التصرف فيها، والنظام العام هو منظومة القيم والمبادئ التي تعلو علي الدستور والتي منها يستمد قيمه، والفلسفة العامة هي الرؤية الاستراتيجية الحاكمة لكل هذه المنظومة، البوصلة للثقافة والسياسة والاقتصاد والاجتماع.
وأخيرا الجمهورية تعني أن الحاكم ليس فرعوناً جالساً علي عرشه في منتجعه حتي آخر عرق ينبض في جسده وآخر دقة في قلبه وآخر نفس فينا قبل أن يزهق أرواحنا، بل هو «أولي الأمر منكم».ومنكم هذه تحتها ألفان وخمسمائة خط، منا مشاعراً وولاءً وانتماءً، ومنا عيشة وحياة ومسار لليوم، ومنا وسطية في العمر والأحوال، ومنا فينا لنا..بجد. وأنه يخضع لمبدأ المحاسبة عن أفعاله، وأنه لا يرث الحكم ولا يورثه، لأنه من الجماهير..والتي هي قادرة علي أن تخرج من يخلفه يعددها، كل مواطن قادر علي أن يكون رئيساً للجمهورية، لكن لأنها مهمة ثقيلة وحساب الجماهير له عسير ففي الغالب لن تجد من يبحث عن هذه السلطة، وكان البعض يفر منها، ويشفق علي نفسه من حسابها في الدنيا..والآخرة. الجمهورية لا تعرف حكم الفرد، ولا الحكم علي التأبيد..ولا شخصنة السلطة في واحد تتحرك المسيرة بتوجيهاته المباركة ونسير علي وقع خطوته البطيئة في حين يقفز العالم بخطواته الرشيقة علي سلالم المستقبل ويتقدم.
ليس هذا ببعيد عن مشهد زيارة أوباما التي أصبحت موضوع المواضيع وحديث الخبراء من جهابذة السياسة والإعلام الذين نصبوا موائدهم المستديرة علي شاشات الفضائيات المسطحة وجلسوا يتناوشون ويتنافسون في تقعير الكلام لتفهيم العوام تفسير كلام أوباما الهُمام. الرجل قال خطبة بسيطة أقرب لحديث العلاقات العامة، لكن ليس معقولا أن ترتدي أحسن بذلة وأفخم رابطة عنق وتكون من النخبة التي تمت دعوتها للجلوس تحت القبة التي تكلف تنظيفها ورصف الحرم الجامعي وتلميع نوافذه الزجاجية ومقابض أبوابه النحاسية ما تم تقديره بـ 15 مليون جنيه «ذهبت لمن وظيفتهم أن يفعلوا ذلك كل يوم وكل شهر وكل سنة بشكل دوري ويتقاضون من أجل ذلك رواتبهم! أرزاااااق»، أقول ليس معقولا أن تفعل ذلك وتقول للأقارب والأصحاب أنك ستذهب لحضور خطاب أوباما ثم تخرج فتقول كان الخطاب ضعيفا وأن الرجل علي ذكائه ولطفه ومهارته الخطابية وحضوره والقبول الذي يتمتع به وديمقراطيته وكونه يرمز لروح جديدة لأمريكا في الداخل- رغم كل ذلك لم يقل شيئاً! لا بد أن تخرج وتقول كان خطابا مهما وكانت لحظة تاريخية محورية جبارة وأن كلماته تفتح صفحة جديدة وتغلق صفحة قديمة وترسم خارطة طريق وتنقذ الغريق وتطفئ الحريق. وأن تسهر في البرامج تتحدث وتتحدث وتتحدث..«برضه أرزااااااق..».
المشهد لطيف والمولد مر بسلام بعد أن أجلست القبضة الأمنية لوزارة الداخلية الناس في بيوتهم ومنعت من يطل بيته علي طريق الموكب من فتح الشبابيك ونشر الغسيل، وأغلقت المتاجر، واحتلت الشوارع بالكامل لمنع من تسول له نفسه التظاهر أو الاحتجاج علي سياسة أمريكا أو دخول سفير أبناء العم حرم جامعة القاهرة وقد جددت «السفارة في العمارة» العلم ليبدو أكثر بياضاً..خفاقاً أعلي كوبري الجامعة.
في جمهورية حقيقية كنا سنجد مظاهرة لطيفة في ميدان التحرير ترفع شعارات «كفااااية احتلال كفااااية ضرب للمدنيين في أفغانستان كفاااااية دعم لجرائم إسرائيل» وكان شكلها سيبدو ديمقراطيا وجمهوريا والله علي الشاشات من باب التوازن، لكن لأن هذه ليست جمهورية بل دولة بوليسية فإن الناس تم إسكاتها لكي تمر الزيارة بسلام، والجامعة تم تفريغها من طلابها وإلغاء الامتحانات، وانتقاء الطلاب الذين يحضرون الخطاب علي الفرازة، وتم رصف الشوارع وتعليق الزينة وتلميع نوافذ جامعة القاهرة وتعليق يافطات كبيرة باسم محافظة الجيزة تحجب أي مبني متهالك أو أرض فضاء قذرة في طريق الموكب. زيارة أوباما كانت مناسبة لمزيد من التفكير في مفهوم الجمهورية. وللحديث بقية.