هذا اللانظام الذي نعيش في ظله وتلك اللاسياسة التي تحكمنا تسري في تفاصيل حياتنا اليومية فتفسد علينا المجتمع كما أفسدت الاقتصاد.. والسيادة.
فهذه المدن التي نعيش فيها غريبة الأطوار عجيبة المعالم، هي فعلاً مدن ملح..نشعر بطعمه في حلوقنا!
غاب التخطيط والنظر المستقبلي وساد منطق البقاء للأقوي، وأعلنت السلطة سباق تفكيك مصر، وأطلقت صفارة البدء منذ أربعة عقود.
لدينا مساحة من الصحراء يمكن توزيعها علي باقي العالم، لكننا نصرُّ علي أن نقيم المدن علي مساحات ضيقة، من 6 أكتوبر التي تم إلقاؤها في جوف الصحراء عند نشأتها -واليوم صارت أقرب لوسط البلد من حلوان- إلي التجمعات الجديدة. أتعجب وأنا أتجول من ندرة المساحات الخضراء، وتلاصق المباني حتي داخل مناطق الأغنياء. لو دفعت ما دفعوا من أجل أن أسكن هذا البيت لما رضيت بأقل من ضعف مساحته حديقة أتحرك فيها، لكننا نصرُّ علي تخطيط المدن بأعلي درجة من القبح، ثم نتفاخر بالثمين من المتاع والسيارات والمجوهرات..ونعيش في غابة من العشوائية!
أما في المناطق العشوائية فربما تجد من التعاون وشبكات الدعم ما لا تجده في تلك الأحراش الأسمنتية المسماة بالأحياء ذات الأسوار.المشكلة ليست في قلة المشاركة؛ بل في قلة الإمكانيات.
الأخطر في مشهد القاهرة وهي تنقسم كتلاً علي خطوط التماس بين الفقراء والأغنياء اليوم أنها تقيم عوالم متناقضة؛ بل متقاتلة، قد يبقي العنف مكتوماً في الصدور غيظاً أو كراهية، لكنه لا بد أن يخرج للسطح يوما ما.
فالأمكنة تطبع شخصيات البشر بطباعها، وتنعكس علي سلوكهم في الحياة اليومية.
ومن أمكنة السكن إلي أمكنة البيروقراطية وجهاز الدولة المصرية نجد نفس الإنتاج المتكرر للفرز والتصنيف والتمزيق للنسيج والبنية التحتية البشرية للوطن.
هاتفني أحد طلابي يشكو لي من المعاملة في الجهة التي يمر بها الشاب بعد تخرجه قبل أن يخرج لسوق الحياة والعمل، وكيف أن الناس تختلف معاملتها باختلاف تعليمها، فأنت لا تعاقب لو كنت شهادات عليا ويتم مسح كرامتك لو كنت مؤهلاً متوسطاً أو أقل! وبدلا من أن يكون هذا المكان بوتقة صهر للفرد مع الباقين من أبناء الوطن صار مكاناً لإنتاج الأحقاد الفئوية والطبقية بامتياز.
في الجامعة التمييز مستمر، هناك فرز للطلاب علي محك المصروفات، طلاب القسم الفرنسي في حقوق واقتصاد منعزلون، وفي القسم الإنجليزي يجاهدون الانزلاق الطبقي رغم ضعف إنجليزية الغالبية منهم، «تجارة إنجليش» يقولها الطالب بفخر وكأنه نجا من كارثة، أو «سياسة إنجليش» يقولها برجَّة أعلي من الثقة، والباقون يناضلون من أجل البقاء علي وجه الأرض، مثل باقي البشر.
الأصل في الجامعة أنها مكان للمواطنة، يتفاعل فيه الطلاب في ظل مناخ تعليمي يعلمهم الحرية ويتواصلون في أنشطة فكرية ورياضية وفنية؛ كي يعبروا حاجز الاختلاف الديني والعرقي والثقافي والطبقي علي جناحي المعرفة والمساواة الإنسانية، أما اليوم فالمشهد مختلف، بل كل جامعة لها ثقافة، وقد تجولت في الجامعات الخاصة فوجدت عجبًا، وبين جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية شاهدت فوارق وفوالق، ولو استطردت في الكلام عن الفارق بين المدن والريف والشمال والصعيد لاحتجت لجريدة كاملة.
في العصر الذي نعيش فيه أخذ السوق بناصية الأمر، وتراجعت الدولة، وارتبك الناس، وانصرف المجتمع المدني لسد الاحتياجات الأساسية للناس بدلاً من النهوض بالمجال العام ليكون ساحة ديمقراطية تضع الموازين وتراقب الدولة وتقوم بترويض السوق.
لكننا نعيش لحظة التحول الرأسمالي بكل قسوتها، تلك التي لا تري في المكان إلا أرضاً يمكن تقطيع أوصالها لبيعها ولا تري في المجتمع إلا تجمعاً ضخماً من المستهلكين.
إننا نشهد اليوم عبر انقسام المساحات المكانية والطبقية والنفسية ما يشبه انقسام القارات حين مرت الأرض بمرحلة انشقت فيها اليابسة وانفصلت القارات..ونشأت المحيطات.
كانوا عند الاستقلال يقولون لنا أيها المواطنون نحتاج بناء الأمة، واليوم نحن المواطنين نحتاج بناء الدولة كي نتحرر من كل هذه الوحشية: وحشية النظام والسوق ذات القفازات الحريرية..ووحشية من ليس لديهم ما يخسرونه ذات المشاهد الدموية.
نحتاج قوارب من أمل، وجسوراً من عمل، كي يمكننا تقريب المسافات وإنقاذ وطن من كل هذا الشتات..
نحتاج إلي عودة الناس..وعودة الجمهورية!
وللحديث بقية.