يفزع الرأي العام من جرائم وحشية من قبيل نزاع قام بين طبيب وتاجر أدوات كهربائية فقام الطبيب (وليس التاجر) بقتل غريمه وتقطيع جثته في عيادته..أو اغتصاب وقتل طفلة، أو قيام ضابط شرطة بهتك عرض شخص في قسم شرطة لأنه رفض دفع إتاوة، أو قيام زوجة وعشيقها بقتل الزوج وإلقاء الجثة في الصحراء لتنهشها الكلاب..
والحق أن هذه الجرائم البشعة لا تحتاج إلا إلي الحد الأدني من الإنسانية كي يقشعر لها البدن لكنها في النهاية جرائم ميزتها في بشاعتها..فهي واضحة ولا تثير خلافاً أو نقاشاً..لكن المشكلة من المنظور الاجتماعي
التحدي للمجتمع اليوم هو الوقوف في وجه الجرائم اليومية المتوحشة التي لا يعاقب عليها قانون.. أو يتحدي المجرم فيها بمكره وكيده تطبيق القانون..ويصبح دور الناس هو تكريس العقوبات الاجتماعية لمن يرتكبها والضغط الاجتماعي كي يتم تصحيحها وتحقيق العدل، بالكلمة والمناصرة والمقاطعة والمحاسبة وهنا الكلمة ورفع الصوت بالتساؤل أسلحة مركزية في معركة التغيير لأنها تمنح لسان الجماعة للضحية التي يتم في الغالب إخراس صوتها، والإصرار علي الشهادة.. لله .
المجتمع هو الذي يملك أن يحاسب من يتخفي وراء مظهره ومكانته المهنية فيجرم في حق زوجته ويوظف علاقته بزملائه لمنعها من إثبات الضرر لتحصل علي حقوقها الشرعية الأساسية أو ليلحق بها الأذي بدرجة تجبرها علي الخنوع ويرتب أوراق جريمته كي يبدو هو الحمل الوديع الذي يتحمل ويصبر، أما هي فيتم تصويرها بأنها المرأة المتمردة الجامحة التي تستحق الترويض. الوعي الاجتماعي هو الذي يملك أن يبني رؤية وسمعة سلبية تضغط علي ضابط شرطة يحتل موقع مساعد مدير أمن استطاع باتصال صغير أن يحفظ محضراً في خصومة بشكل إداري كي يمحو أثر جريمة أحد الأقرباء من أسرته.. وعزوته ..ذكور القبيلة ..فيجعل مهمة صاحب الحق صعبة في إثبات حقه. وصوت الناس هو الذي يملك أن يواجه ويسائل صاحب مؤسسة صحية شهيرة أدخل مريضاً بتشخيص وهمي من طبيب متواطئ تم دون كشف علي المريض اعتماداً علي مقولات شفهية من صديق فتكون النتيجة أن يتعرض الضحية لعلاج يدمر جسده لكن سمعة المكان أهم من تدمير كيمياء جسد المريض أو مستقبله..وقانون الصحة النفسية الجديد- رغم ما يتعرض له من نقد مشروع وصائب في بعض بنوده-يسعي لحماية حقوق المريض/الإنسان ويسير في هذا الاتجاه فيما يخص قطاع الصحة النفسية تحديداً.
هناك في المشهد الاجتماعي جرائم نري فيها آثار النزف المعنوي ظاهرة علي تفاصيل حياة تعيسة بامتياز ،لكن لأنه ليس هناك «دم سايح» نردد كلمات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب من قبيل «ربما»..و«قد»..و«لسنا علي إطلاع علي التفاصيل»..«والله أعلم بالخبايا».. وقد نلوم الضحية (!)..فلماذا قرر هو دون خلق الله الساكتين أن يتكلم..ولماذا لم يواصل الصبر العليل (الذي نسميه في الغالب صبر جميل ) كالباقين ..ونتهمه بأنه لم يحسن ترتيب أموره وأن المسائل لا تُدار هكذا..أو أنه استدعي بقلة حكمته رد الفعل العنيف غير الإنساني..وأن الجاني.. معذور(!)..ونأكل لحم الضحية بألسنة حداد لأننا نخاف المواجهة ونفر من تحمل المسئولية.. ثم ننصرف بطمأنينة وننام علي الشوك ملء جفوننا ونحلم ..بالجنة!
روي لي أحد البسطاء تعليقاً علي مقال سابق أن جاره أوسع زوجته ضرباً في الفجر واستيقظ الناس علي صراخه وهو يقول لزوجته وعويلها يصم الآذان:«لا بد أن أقوم بتكسير عظامك قبل أن ترحلي».. فأخبرته في الحقيقة أن هذا المشهد أهون لأنه جريمة مفضوحة واضحة وأن الرجل الجاهل هذا أرحم من قصة أخري أشبه بفيلم رعب قام فيها الزوج بضرب زوجته وإهانتها واستغلالها مادياً لسنين لكنه لم يتركها ترحل حين طلبت بالمعروف بل كسر صورتها الاجتماعية وسعي لتدمير سمعتها بإيحاءات نابعة من خياله السقيم يروجها لتبرير جريمته بل واتهمها في عقلها لأنها طلبت التسريح بإحسان..وفوق ذلك: لم يتركها ترحل!
..عندي قصص طويلة مفصلة عن أبناء حبسوا أمهم في سجن الابتزاز العاطفي ثم الأحكام الجارحة وأخيراً المعاملة السيئة ليبنوا علي دورة تعاستها المتجددة مستقبلاً اجتماعياً لأنفسهم ..وحاسبوها علي البوح بالشكوي لأن الأمومة تعني في نظرهم الخضوع في صمت جميل.. والانكسار في ألم نبيل.. وقبول الذل والمهانة في ..يقين جليل!
وعندي قصص عن كبار أسلموا بناتهم أو أبناءهم للمظالم وقبلوا خضوعهم لعملية منظمة من التدمير النفسي والابتزاز العاطفي والوجداني والاجتماعي وكان التخلي مبرره هو الحفاظ علي «المكانة والسمعة» ..وتحقيق «الاستقرار» والحفاظ علي شكل الأسرة (رغم خنق روحها ووجودها وتآكل المودة وتشويه نفسية الأبناء بشكل يستعصي علي الإصلاح) ..لأن طرفًا ما في البدء «اختار»..فلا بد أن يظل يدفع ثمن اختياره..حتي الموت..أو بأن يعيش حياة هي للموت أقرب منها.. للحياة.
الحل؟…«وليخش الذين لوتركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً»…لذا كان أعظم الجهاد: «كلمة حق ..عند سلطان جائر». كل سلطان ..جائر.
تباً لهذا الصمت المتوحش الكئيب..وأشهد أنه لا إله إلا الله..وأن الله غالب علي أمره، وأنه..بالمرصاد.