بقي مجال أخير للتفكير في موضوع الذات والمساحات والأوقات هو مجال الأمة، الذات الحضارية ومساحات العالم ووقت صناعة التاريخ.
وإذا كان موضوعنا الأساسي هو مشكلات عصر الحداثة الذي نعيش فيه وصيغ نهضته التي تمت علي جثتنا في المرحلة الاستعمارية وتتم الآن علي جثتنا في الاستعمار الجديد أيضاً، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله هو سؤال: النهضة.
وقد بقي العقل المسلم والفكر العربي لعقود طويلة في أسر تصورات فكرية بالغة العمومية عن النهضة،
أما النماذج الإسلامية الأخري في بقاع الأمة، أو النماذج النهضوية خارج عالم الإسلام فشغلنا عنها وعن دروسها انصرافاً للذات وعكوفاً علي الواقع الصادم من فجوة بيننا وبين الغرب، وكأنه لا يوجد في العالم شرق ولا جنوب ولا شيء غير أوروبا وأمريكا.
ولو أردت أن أضرب المثال فهناك ثلاثة نماذج إسلامية نهضت نحتاج إلي دراستها هي ماليزيا وإيران وتركيا، وهناك نموذج أمريكا اللاتينية البعيد الذي لا ذكر له البتة في كتابات العرب ولا المسلمين رغم أهميته من الناحية التنموية وعلاقة الدين بالمجتمع والأيديولوجيا بالنهضة، وهناك نموذج جنوب أفريقيا الناهض، وهناك نموذج الصين. ولعل البدء بالرؤية الثقافية العميقة يكون نقطة بداية جيدة، فلا يوجد نموذج للتنمية من هذه السابقة الذكر يمكن أن يستغني عن رؤية واضحة للهدف والغاية، ولا للمنطلق والإرث الحضاري، نجد ذلك في المنزع القومي الإيراني، والذي استوعبته أيديولوجية الثورة الإيرانية، ونجد سيراً علي الخط الراديكالي هذا التوجه اليساري المعادي للرأسمالية في أمريكا اللاتينية في نماذج البرازيل وفنزويلا وبوليفيا وغيرها من دول القارة، ونجده في التمسك بالشيوعية في الحالة الصينية التي ما زالت تتمسك بمنظومتها الثورية رغم التحول لاقتصاد السوق بهيمنة الدولة، ونجده في القيم الآسيوية التي حكمت الرؤية الماليزية ممزوجة بتصورات الإسلام الحضاري في الثلاثين عاماً الماضية، ونجدها في الحس التركي القوي بالقوة الحضارية حتي لو استقر هذا الوعي علي منصة العلمانية وتنازع معها علي المجال العام كما سنشير مرة أخري. وربما استبدلت جنوب أفريقيا الزخم الأيديولوجي بالقيم الديمقراطية نتيجة ظرف الفصل العنصري الذي حكمها فصار تكريس الديمقراطية هو الأيديولوجية المقابلة دون غلبة أيديولوجية واضحة.
في المشهد اللاتيني للتكتل فاز فكر اليسار مع جديته في أن يحقق إنتاجاٍ لفكر ماركسي ونهضوي خاص بأمريكا اللاتينية، من مدرسة التبعية إلي لاهوت التحرير وصولاً لليسار الجديد الذي حمل عبر آلته من الحركات الاجتماعية والنقابات العمالية والقوي النسائية عدداً من رؤساء أمريكا اللاتينية لمقاعدهم الحالية. لكن الرؤية لم يتم تحقيقها دون قيادة، فالقيادة عنصر فعال، ليس قيادة التلميع الإعلامي لشخصيات باهتة تجلس في كراسيها عقوداً لا تريد مغادرتها إلا للقبر، بل قيادة فعالة وذات خصائص متميزة لها بصيرة ودور فاعل في أوطانها، ففي الحالة الصينية كان تولي دينج شياو بينج 1978 للسلطة هو بداية تحول النظام السياسي المركزي لخيارات السوق الحرة في المجال الاقتصادي والتركيز علي التصدير مع استمرار قبضة الحزب الواحد علي السلطة، وفي الحال الإيرانية تظل القيادة السياسية هي الرمز والمحرك لتوجهات النظام السياسي، والشيء نفسه في النموذج التركي، والنموذج الجنوب أفريقي «مع اختلاف في درجة الكاريزما بين مانديلا ومن خلفوه» وفي الحالة اللاتينية ، وبالطبع في العامل الحاسم للقيادة الماليزية ممثلة في مهاتير محمد في نقل ماليزيا لمصاف النمور الآسيوية.
وفي كل التجارب هناك مجتمع مدني قوي بشكل لافت، حتي في الحالة الصينية، ومع صبغة دينية في الحالة الإيرانية وقوة في حالة جنوب إفريقيا نتيجة النضال لإسقاط نظام الفصل العنصري، وزخم غير عادي في الحالة اللاتينية وذكاء وبقاء نادر في ظل مختلف الظروف في ارتباكات الحالة التركية خلال ثلاث محطات للحكم العسكري قطعت مسارها الديمقراطي الذي حرص علي تكريسه أتاتورك بغض النظر عن علمانيته، وتنوع إثني في الحالة الماليزية. كل النماذج حددت موقفها من السياق الإقليمي والعالمي، فدور إيران الإقليمي حكم خياراتها، ودفعها لمصادمة النظام العالمي، واللاتين قرروا أن العالم ليس الغرب فانفتحوا علي قارتهم وثقافتهم عبر الحدود القومية وصاروا المنصة الأولي لحركات مناهضة العولمة ونقد الرأسمالية والنموذج الغربي ويسعون بكل قوة لبناء الإقليم كوحدة نهضوية، وماليزيا تجنبت الصدام ولم تنغلق في الوقت ذاته وتناغمت مع إقليمها فصارت من النمور الآسيوية، والصين أسلمت الانفتاح الاقتصادي للدولة دون انفتاح سياسي أو ثقافي، وفي الحالة الإفريقية تتراوح رؤي القيادات السياسية من حقبة لأخري لكن لا خلاف علي ضرورة الريادة والقيادة علي الساحة الإفريقية «منافس أساسي لمصر في هذا المضمار» والاندماج في الاقتصاد العالمي رغم الحرص علي فكرة دولة الرفاهية لأنها أداة تمكين الغالبية السوداء، وفي الحالة التركية نجد توظيف الخارج لتغيير الداخل في قطاعات بعينها، والحفاظ علي الداخل في صلابته في قطاعات أخري، فحلم الانضمام للاتحاد الأوروبي ساعد حزب العدالة والتنمية علي تكريس الديمقراطية والحريات. الشاهد في كل الحالات أن قضايا النهضة لم تعد شئوناً فكرية تخضع للفقه الحضاري والنظر الفلسفي في العلاقة بين الإسلام والغرب وملفات التغريب والاستقلال الحضاري، بل صار الأمر يحتاج من العقل المسلم والعقل العربي شحذ أدوات فقه الأولويات ونظرية المصلحة والنظر لخريطة العالم بشكل مركب لخيارات النهضة وتحقيق التكامل والتوازي بين المسارات..والمساحات..باتجاه بناء الذات.
هذه هي الخريطة..
والله أعلم.