مشهد السودان الحزين

أتابع بحزن متنامٍ المشهد السوداني.

«أمسكوا السودان وتركوا مجرمي الحرب في غزة»..نعم، مقولة صحيحة وتفيد في تهييج الناس وحشد المشاعر، لكنها لا تفيد في تحسين أداء المحكمة الجنائية الدولية ولا تحقيق منظومة عدل دولي لتقوم بهذا المطلب العربي تحديداً والذي تُبذل الجهود الآن في العالم لتحقيقه وتفعيل المحكمة في جرائم الحرب في غزة.

سيقول البعض لو كانت حكومة السودان قد فتحت ملف دارفور منذ عشرين سنة وتفاوضت علي ملف الجنوب لما وصلنا لما نحن فيه الآن،

ولولا عدم المحاسبة للمسئولين عن تردي الوضع في دارفور والإنكار التام لأي أخطاء حدثت والاكتفاء بلعن النظام الدولي وتسفيه منظومة العدالة الدولية بدلاً من تقويتها وتعديلها لما تحركت الأصابع لدفع المحكمة باتجاه القرار.. لكن لا أحد سيسمع، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة-أبداً.

المشهد الآن كالتالي: مجلس الأمن يمكنه أن يبدأ في التحرك، وأخذ قرار المحكمة لوضعه موضع التنفيذ. بالطبع لنا حلفاء في مجلس الأمن ويمكن أن نسوق عليهم السيدة زينب، ويمكن بالطبع ضمان الصوت الصيني معنا لمصالح الصين النفطية في السودان والتي ستهددها بقوة أي تدخلات عسكرية في الأفق، لكن حرب العراق لم تنتظر الإجماع أو تتعطل بسبب فيتو، بل جرجرت الولايات المتحدة شرعية الأمم المتحدة وراءها كما كان صدام يسحل مخالفيه بالضبط في اتجاه بغداد.

ثورة الإنقاذ حكمت السودان عشرين سنة بحكم عسكري تعبوي لم تحقق فيه وظائف الدولة الحديثة الأساسية وهي تحقيق العدالة الاجتماعية، عدالة التوزيع بين المناطق، ولا حماية التراب الوطني بتفاوض حول حكم ذاتي بدلاً من الدخول في حرب طويلة استنزفت أبناء السودان وثرواته وانتهت بالنظام الذي كان يقول في التسعينيات لن نتنازل عن شبر للإعلان بكل ثقة أنه يحترم خيار الانفصال لو تم بناء علي الاتفاقيات والتسويات التي تمت في ملف الجنوب! وثالثة الأسافي أن هذا النظام لم يفلح في تعزيز وتمكين الناس بآليات ديمقراطية، ويكفي النظر للقناة الفضائية السودانية التي أتابعها لتري هذه الحملة الإعلامية التي ترفع شعارات بالروح بالدم نفديك!

من قال إنه لا توجد مؤامرة علي السودان ؟ بالطبع هناك مؤامرات! ومن قال إن الاستعمار الأمريكي يكيد منذ عقود، بالطبع يكيد ويدبر بالتعاون مع العقل الاستعماري الأوروبي المتجلي في حلف الناتو، لكن بالتوازي مع المؤامرات والأطماع هناك أيضاً مغامرات غير محسوبة من جانب النظام السوداني، وعدم جدية في التعامل مع ملفات خطيرة ومزمنة، والإصرار علي التواصل مع العالم بخطاب ولهجة لا يمكن أن يرتضيها أحد. «أنصح الرئيس البشير بتغيير مسئوله الإعلامي فوراً فهو يسوقه للكارثة بمهارة يحسد عليها!»

ما أشبه الليلة بالبارحة..بارحة بغداد.

لكن الفارق هنا في المشهد السوداني أن القوات الأطلنطية جاهزة للتحرك خلال أيام، لن ننتظر طويلاً، تم استدعاؤها تحت بصرنا وسمعنا لجنوب البحر الأحمر بدعوي حماية المياه الإقليمية والدولية من القراصنة الصوماليين، وهو لغز لم يفهمه أحد وأصابع التآمر فيه واضحة، سيناريو مفضوح تم افتعاله وتدبيره وتجهيزه لكي تتحرك الأساطيل البحرية وتدخل بالقرب من السودان، وتتجهز البحرية الأمريكية والناتو بالتوازي في المحيط الهندي متأهبة للحركة، والفارق أيضاً أنه لو تم الأمر في السودان باتجاه التصعيد واندلعت شرارة الأزمة عسكرياً، فإن وسط القارة الإفريقية وحزامها سيلتهب، فالعراق محاصر- رغم كارثته- بدول قوية لها حدود منيعة مثل سوريا وإيران وتركيا، أما السودان فدولة ضخمة تشترك في الحدود مع دول عديدة كلها رخوة ومشاكلها الحدودية مخيفة، بما يهدد استقرار قلب القارة الإفريقية برمته..وأمن مصر قبل ذلك.

اليوم يهاجم الرؤساء العرب هذه المحكمة ببساطة، لأنهم يرفضون رفع الحصانة ومحاسبتهم علي جرائمهم، ويتذرعون بأنهم يمثلون الأمة والشعوب، والحقيقة أن كلاً منهم يريد الحصانة ليستمر النهب المنظم لهذه الأمم والشعوب وبحماية القوي الغربية نفسها التي يهاجمونها علي الشاشات ويقبلون شروطها المهينة في حق الأوطان وراء الكواليس.

نصرة أهل السودان واجبة.. لكن ليس بدعم نظام البشير في حملته الغوغائية وهو النظام العسكري الذي فشل في التعامل مع المعطيات السياسية والجيواستراتيجية في السودان..

ما سينقذه جبهة إنقاذ وطنية تضع القيادة السودانية أمام مسئوليتها، وتقدم المسئولين الحقيقيين عن أزمة دارفور «بل الملف السياسي الجنوبي» لمحاسبة سودانية قومية قوية ترد ملف العدل والعقاب للنظام الداخلي السوداني السيادي، وهو الذي كان يمكن أن يجنب السودان قرار المحكمة الجنائية الدولية لو تم في حينه.

السودان يحتاج حملات شعبية عربية لنصرته ، ومبادرات قانونية لقوي سياسية عربية قومية، ودعم تنموي وإغاثي سريع بعد القرار العنتري في التوقيت الخطأ بطرد منظمات إغاثة الآن تحديداً «عبقرية!».

أنقذوا بجمعية وطنية ديمقراطية تدير الأزمة بحكمة وحنكة، وتتحرك برشد وحصافة وحذر، وتعي التوازنات الدولية وتوظفها لصالح السودان ووحدته وسيادته بكياسة، وتسكت هذا الارتباك السياسي الأرعن الذي سيؤدي بالسودان للجحيم، في حين يغادره البشير ربما لمكان لا أخاله إلا زيمبابوي علي أكثر تقدير تاركاً وراءه سودان سيقسم لثلاث دول علي الأقل بعد حرب لن تكون قصيرة.

يا أهل السودان..فيكم الرجل الرشيد..والعقل السديد.. فلا تراهنوا علي قادة العرب..إنما يأوون لجبل لن يعصمهم من الماء، والله نسأل أن تستوي سفينة السودان علي الجودي لأنني أري الطوفان القادم، ولا أري في المشهد..«نوح».