تحيا جمهورية مصر العربية

«تحيا جمهورية مصر العربية !» .. كنا نهتف كل صباح ثلاث مرات في المدرسة مع تحية العلم، وكان جهاز التسجيل العتيق الذي تديره الراهبة «نومفيدورا» وهي واقفة أعلي السلم الذي يتوسط مبني إدارة المدرسة يطلق لفضاء الفناء أغنية «والله زمان يا سلاحي» لنرددها في حماسة قبل أن نبدأ يومنا الدراسي. أنا من مواليد 1965، وقد دخلت المدرسة 1969 في الروضة التي استمرت سنتين، ودام هذا المشهد في حياتي المدرسية حتي 1974، بعدها خلصنا من موضوع السلاح وبدأنا في ترديد «اسلمي يا مصر إنني الفداء» التي أخذت وقتاً حتي حفظناها،

ثم جاءت مع نهاية السبعينيات «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي»، فتوقفنا عن الحلم بحمل السلاح وجمدنا مؤقتاً موضوع الفداء، وبدأت مرحلة جديدة من «ثقافة السلام» تم نفخها في عقولنا «أو بالأحري نفخنا بها بالتعبير الدارج» حتي زهقنا جداً من موضوع السلام وفقدت الكلمة الشريفة النبيلة معناها بل صارت للأسف تثير الريبة في المجال العام وتعني للبعض أحياناً مؤشراً علي قبول التطبيع مع العدو الصهيوني.

تخانقنا وقطعنا هدوم بعض كتيارات سياسية وحزبية وثقافية حول معني «مصر» ودائرة «العربية»، ما هوية مصر؟ وأعمدة بناء ثقافتها وانتمائها؟ «أضيف الجدل الطائفي الساخن لقائمة النقاشات للقائمة نتيجة صعود خناقة شعارها «لا تقل عربي قل مصري» وانحراف المنطق لدي البعض من مسار الحق الثقافي للأقباط إلي خطاب كراهية ضد الإسلام تجاوز حدود الفضائل المدنية بل وحدود الأخلاق المسيحية ذاتها»، واختلفنا أيضاً حول ما الدائرة «الأولي بالرعاية» هل العربية أم الإسلامية؟ «بالإضافة إلي الخناقات القديمة حول هوية مصر «البحر-متوسطية» والتي تجددت سياسياً مع الاتحاد من أجل المتوسط.. وإن توارت ثقافياً.»

الجانب الوحيد الذي لم ينل حظه من الجدل هو ماذا نعني بالجمهورية في «جمهورية مصر العربية»..

وأنا أعرف أن القضايا الفلسفية والفكرية ليس من الحكمة مناقشتها في الجرائد لأنها ثقيلة بعض الشيء علي مزاج القارئ الذي يريد أن يستمتع مع الجريدة وكوب الشاي بمعلومة سهلة ومباشرة، لكن لا مفر من التذكير بأن السعي لاستيضاح معني «الجمهورية» و«المواطنة» قديم في الفكر اليوناني لدي سقراط وأرسطو وأفلاطون، مع ضيق شديد في تعريف المواطن وحدود الحق السياسي ليقتصر علي الرجال الأحرار الأثينيين فقط أي أقل من ثلث أثينا، وامتد في الفكر الروماني مع شيشرو الذي وضع السياق الإمبراطوري في إطار قانوني لضمان الحقوق، واستمر التفكير في اتجاه مختلف في الفكر المسيحي مع القديس أوغسطين الذي انصرف للحديث عن مدينة الله ومدينة الدنيا وكان حكم الجماهير بالنسبة له مناقضاً للانصراف لتحصيل السعادة في الآخرة، وخالفه القديس توما الاكويني بعدها بعدة قرون فكتب كلاماً بديعاً في مفهوم الطاعة وحرره من الاقتران بالإيمان المحض والتسليم بالقدر، وجاء الفكر الإسلامي ليؤصل العديد من فقهائه للاستبداد ويدافع آخرين عن الحق في الخروج علي الحاكم الظالم وحاكمية الأمة، واهتم فلاسفة الإسلام بقضايا العقل والشرع والإرادة الإنسانية فاستمر البحث عن دور الجماهير في جمهورية لكن بمصطلحات تفاوتت من عصر لآخر، ويمكن مقارنة هذه المساعي الفكرية بما يوازيها في الحضارات الأخري المصرية القديمة والصينية والهندية والأفريقية وغيرها من الحضارات.

حين دخلنا عصر الحداثة شهدنا بزوغ الجمهورية كصيغة تعبر عن دولة تأسست نظرياً علي فكرة العقد الاجتماعي الذي يرد الحكم ونظامه لإرادة شعبية، بعدها قد نختلف حول مصدر القانون هل هو قانون طبيعي أم وضعي أم ديني، ليست تلك المشكلة، المهم أن نتفق علي أن المزج حتمي من الناحية العملية وليست المثالية، وأن سلطة الأمة «سواء كان تعريفها إسلامي أو قومي- والحوار القومي /الإسلامي حاول تجاوز الثنائية لرؤية تضعهما علي متصل أو في علاقة دوائر».

مربط الفرس هو أن الصيغة السياسية للحكم تجعل الحكومة مسئولة أمام الشعب وتجعل الحكم في يد الناس لكن كيفية تمثيلهم هي موضع الجدل الأيديولوجي بين الليبرالية والاشتراكية والإسلاميين، وعلي كل حال لم يعد أحد يؤمن -والحمد لله- أن الخليفة أو الفرعون أو الرئيس له حق إلهي. باختصار مبدأ الدولة التي يمكن أن تكون حديثة هو أن الرئيس لا يمثل الدولة بل جهازها التنفيذي فقط وهناك فصل بين السلطات وأن الديمقراطية-علي ألوانها وأشكالها-تنفي الشخصنة عن السياسة. اليوم جمال عبدالناصر بعده السادات أو مبارك، الأصل أن الدولة نظام له قواعده ولا يرتبط بالأشخاص بل بالدستور والقانون والصلاحيات والمحاسبة علي القرار.

ليس معقولاً إذاً أن يتم اعتبار مد اعتبار بورسعيد منطقة حرة باعتباره نظرة عطف من الرئيس لأبناء بورسعيد وتقديراً لدورهم التاريخي أو أي شيء من هذا القبيل، وليس مقبولاً أن يتم منع التجمهر والتظاهر لكن يتم حشد الناس للخروج بمئات النسخ من نفس اللافتة في مظاهرة تذكرنا بمسيرات النظم الفاشية، وليس معقولاً أن نستمر في الحركة في كل صغيرة بتوجيهات السيد الرئيس..أو السيدة حرمه المصون.

ليس معقولاً بأي حال الاستمرار في تجاهل أن مصر جمهورية منذ الثورة لليوم، الحكم باسم الجماهير بدون ديمقراطية، ثم الظن بأن لنظام يملك رشوة الجماهير بسياسات انفتاح متردية أدت لدخولنا حقبة السيد الرئيس فيها يقبض علي كل شيء في يده ويعينه جهاز بوليسي يدير كل أمور البلد.

مصر جمهورية، وعطفاً علي المقال السابق الذي قلت فيه إن هذا النظام ضد الدولة لأنه يهدم مفهوم الدولة ويكرس مفهوم الاستبداد فإن المسألة في جوهرها هي أن تكون مصر جمهورية…أو لا تكون.

تحيا جمهورية مصر العربية!