- أتأمل في صورة الحجيج يطوفون حول الكعبة، هذا الدوران الذي نجده في حركة القمر حول الأرض وحركة الكواكب حول الشمس وطواف الملائكة حول العرش. كمدارات العشق عند الصوفية في حركة الدراويش، ودوائر الوضع الراكد حين نلقي فيه حجر الوعي، وانتظام شذرات الحديد حول المغناطيس .
هي دوائر الكون والوجود الإيماني ..ومدارات العشق الإلهي..ومآلات الروح.
«..إن إلي ربك الرجعي» .
2- أتأمل في مسارات الناس في دروب الحياة، بعضها يتوازي وبعضها يتقاطع وبعضها يفترق، لا يبقي أمر علي حاله، ومن يبدأ مسيرته لا يعرف مآله، وأقدار الله نافذة، وحكمته قد تكون جلية وقد تبقي خفية، العقل آلة والجسد دابة، والروح من أمر ربي.
نجتهد، ونسعي، نختلف، ونجتمع..وفي نهاية المسير خواتيم نسأل الله أن يحسنها ويستر.
«..كل شيء عنده بمقدار» .
3- أتأمل في مدار اليوم، نستيقظ ونتحرك ونسكن وننام، بين موت أصغر وآخر.. نحيا، وحين تأتي لحظة الموت تغادر الروح الجسد وتكمل مسيرتها في دروب الوجود..ويرجع الجسد للتراب، إلي حين البعث.
«..الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضي عليها الموت ويرسل الأخري إلي أجل مسمي إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.»
4-أتأمل في مسار الكلمات، تخرج من أفواهنا أو تخطها أقلامنا فتجد لها مسارات لا نعلمها، قد تصيب في مقتل، وقد تحيي أرضاً مواتاً، قد تكون بذرة تبقي في جوف أرض جدباء فيأتي غيث في زمن آخر فيغرق الأرض ويحييها، وقد تنبت في زمننا فنراها قد أزهرت وأورقت، هناك كلمات نطلقها كالفراشات لا ندري أين ستحط، وأُخر نطلقها كرصاصات في صدر عدو..وقد يغدو بعضها دون قصد: نيران صديقة ..تصيب الأحبة.
يقول الحكماء: الصمت فضيلة، لأنك إن كتمت الكلمة ملكتها وإن أطلقتها ملكتك، ويقول آخرون: الساكت عن الحق شيطان أخرس، وإن من يكتم الكلمة الطيبة فقد ظلم.
الكلمات سر الخلق، وكما يقول أهل الحكمة: السر بين الكاف.. والنون. كن.. فيكون. وللكلمة حياة، «ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة»، والشريعة في جوهرها هي كلمة توحيد وهي كلمة التقوي «وألزمهم كلمة التقوي وكانوا أحق بها وأهلها» ، المسيح كلمة الله، والقرآن كلمة الله، والوعد كلماته، والوعيد كلماته، والكلمة قد تكون صدقة، وقد يقول المرء كلمة لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في النار سبعين خريفاً «إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه».
5- وأتأمل في مدارات الأفعال، ننسي «وما كان ربك نسيا»، أعمال تبقي بعد أن يموت صاحبها – صدقة جارية، وأفعال تقتل صاحبها وهو حي، إفعل ما شئت..كما تدين تُدان.
لا لإيمان بدون عمل، «آمنوا وعملوا الصالحات»، وهناك أعمال يضاعف الله أجرها، وعباد يرحمهم الله بالتوبة فيكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، وآخرون يصدق عليهم قوله: وقدمنا إلي ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً».
6- وأتأمل في الثقافات والمجتمعات، لها دورة نشأة وارتقاء ثم اضمحلال يقود إلي الضعف والضمور، سنن ومدارات، واستبدال. نظر في تلك الدورات ابن خلدون، وقارنها علي شريعتي، لكن الطغاة يظنون أن السنن يمكن أن تحابيهم، أو أنهم «قادرون عليها»، فتدور عليهم الدائرة، «ولله عاقبة الأمور» ..
7- وأتأمل في دورة الطبيعة، فصول تتبدل، مواسم وظواهر، اصفرار واخضرار، إشراق وغيوم، تدور دورة الزمن، لكن التاريخ لا يعيد نفسه، بل نحن الذين نكرر أخطاءنا، الكون من حولنا يسبح ونحن نسير في مداراالغفلة، والغرور.
8- وأتأمل في صورة والدي، اليوم أشبهه أكثر من أي وقت مضي، ختم دورته وغادر هذا المدار، وأنا مازلت أتابع مسيري،أحمل في داخلي بعضاً من طباعه وكثيراً من قيمه، أذكره في أيامي كلها لكنني أذكره في العيد وأفتقده.. أكثر، جيل بعد جيل يمر، تكتمل دائرة لتبدأ أخري، تتقاطع دوائر وتنفصم أخري.
وتمضي الحياة.
«..لعلهم يتفكرون..».
السلام عليكم ورحمة الله …..بجد يا دكتورة بارك الله في حضرتك
دائما تبهريني بروعة الكلمات وانسيابها الراااااائع
جزاكِ الله خيرا
وأسأل الله لحضرتك التوفيق والاخلاص
هو فى كده !!!
بارك الله فيك د. هبة .