كل سنة.. وكل يوم

للكاتبة الفرنسية الراحلة فرانسواز ساجان رواية صدرت تعبر عن روح جيل نهاية الستينيات في مسالكه الشخصية في فرنسا كان عنوانها «صباح الخير أيها الحزن».

لم أقرأ الرواية لأن مضمون القراءات النقدية المتاحة عنها لم تشجعني علي قراءتها، ومجلات عروض الكتب المتخصصة بوصلة جيدة في اللغات الأجنبية لمن يريد أن يفتش عن كتاب أو عمل أدبي جيد يصطحبه معه في لحظات هدوء..بعيداً عن شاشات الأخبار وشاشات الإنترنت وشاشات الموبايل.

عنوان الرواية العبقري ظل محفوراً في ذاكرتي.

«صباح الخير أيها الحزن»

أقرأ تفاصيل جريمة حي «الندي»، حتي الصيغ الرأسمالية التي تفترض خشية الأغنياء من مخالطة الفقراء وبناء المدن ذات الأسوار لتحميهم من «وحشية» الطبقات الأدني «التي خلقتها المظالم الاجتماعية للدولة وللآلة الرأسمالية» لم نطبقها بشروطها الصحيحة فلم تفلح الأسوار في الحماية، فكل شيء نسخة باهتة حتي مفهوم التأمين، بما في ذلك منطقة جولف القطامية- أغلي مناطق التجمع الخامس -والتي لم تسلم قصورها من السرقات!

فمتي ندرك عمق حديث السفينة؟!.. كلنا علي سفينة واحدة..ونحتاج أن نضرب علي يد من يخرقونها لننجو جميعاً.

قارئ أرسل لي قصة زميلته الطبيبة التي تعرضت للضرب من أهل مريضة في استقبال مستشفي الزهراء بالعباسية، في الفجر فوجئت بثلاثة حالات للطوارئ فتعاملت معها بإخلاص لكن إحداها ماتت فما كان من أهل المتوفاة إلا أن ضربوا الطبيبة حتي فقدت الوعي وحطموا المكان.

صباح الخير أيها العنف.. صباح الخير أيتها الدولة التي فقدناها كي يستمر النظام، فتم تأمين النظام وسقطت فكرة القانون والمواطنة والكرامة الإنسانية والمساواة بين الناس ولم نجد نحن سوي العنف والبلطجة بديلاً لإدارة الحياة اليومية، وكلنا يمارسه لكن بطرق مختلفة، والبعض يمارسه بشياكة ودون مد الأيادي لكنه يتعسف ما ليس حقه ويفرض مصالحه ويدوس علي الآخرين، بلا ميزان ولا قسط، والبعض يمارسه بجريمة وقتل عبثي..مشهد متكرر.

«صباح الخير أيها الحزن»

ترسل لي أستاذة بكلية العلوم رسالة أقرب للمقال عن المطففين، تذكر بمفهوم التطفيف في الكيل، ووعيد القرآن بالذين إذا اكتالوا يستوفون وإذا كالوا فهم يطففون، وهو ما يتجاوز التجارة للسلوك اليومي.. ومنهج الحياة.

«صباح الخير أيها الظلم»

في الجامعة يقترب مني أحد الطلاب ليخبرني أن زميلاً لهم مات، حادثة أسفرت عن إصابات، الإسعاف جاء بعد ساعة فنزف الشاب حتي الموت.

صباح الخير أيها البطء، بطء العدالة ظلم، وبطء الدولة موت لمصالح الخلق..وهدر لحياتهم.

يخرج ضباط أمن الدولة من جحورهم، يقبضون ليلة الجمعة علي 65 من الإخوان المسلمين، روتينهم المعتاد قبل الأعياد ليدخلوا الحزن علي 65 بيتاً من بيوت المصريين- فوق البيعة- قبل العيد، يهاتفني أحد طلابي الذي أخذوا والده، ويسأل عن منطق الدولة..ومنطق النظام.

لا منطق.

صباح الخير أيها الزمن الضائع..صباح الخير أيها الوطن المستباح.

لكن في الأيام المظلمة ومضات نور.

صباح الخير أيها الخير..

بنك الطعام نفذت صكوكه قبل العيد بخمسة أيام، وحجاج مصر توافدوا علي الحجاز يؤدون المناسك، وهدأوا أسبوعاً بدون اندلاع مواجهات طائفية (نعمة)، ووعي متزايد بموقف النظام من حماس وتشويهه المتعمد لصورتها بأخبار مبتسرة عن المعابر، فالناس تعرف ما يفعله هذا النظام ولن تنسي له ذلك أبداً ..حياً أو ميتاً. الوعي مفتاح المطالبة بالحق والمحاسبة يوم يأتي أوان الحساب – قريباً، وشباب زي الورد يسأل ويتعلم وتصافحني كل يوم عيونه المتطلعة للغد، ونساء جميلات تكافح في دروب الحياة اليومية ، وشعب كل يوم يكنس الحزن بابتسامة ويقول يارب.

«صباح الخير أيها الأمل»

من أين تأتي قدرة المصريين علي الفرح؟

فعلاً لا أدري، وربما هذه هي عبقريتهم..من أديانهم ، من صلابتهم، من طمي النيل

في كل تلك الأيام المليئة بالأحزان يستيقظون كل صباح ليقولوا يا فتاح يا عليم.. يملؤهم التفاؤل ليتجاوزوا به الألم المعجونة به أيامهم، منذ قرون وقرون..ويستمرون في التنكيت علي الحكام ومراوغة الأيام.

صباح الخير أيها الحزن، وصباح الخير أيها الأمل..

صباح الخير يا مصر.

صباح الخير يا أم الدنيا وأم الأحزان وسكة الأفراح ومساكن البسطاء وشمس التاريخ وأملنا في بكرة.

صباح الخير يا مصر.

كل سنة وانتي طيبة.. يا بلادي.