المسافات..والمسارات

ندرك الأمور عادة باعتبارها قراراً أو علاقة، سواء علي المستوي الفردي أو الجماعي، من العلاقات الشخصية للأزمات الزوجية للنزاعات الحزبية للصراعات السياسية.

ونري الفرقاء أو الحلفاء يظنون الأمر قراراً، ونري المحافظين ينظرون لغير المحافظين باعتبارهم اتخذوا قراراً، ونري الناس تنظر للحاكم باعتباره صانع القرار.

 

نظن أن المسألة علاقة لو تغيرت لتغير الحال، ورؤية لو تبدلت لانصلحت الأمور ولذا نعكف كثيراً علي الكلام، وهو بالتأكيد مسألة مهمة وسنفرد لها حديثاً مستقلاً، لكن نغفل عن أن العلاقات والقرارات مسألة متعلقة بالمساحات والمسافات، فالمساحات التي يتحرك فيها الإنسان تحكم سقف رؤيته وحدود تصوره للحياة والأمور، لذا قالوا «سافر ففي الأسفار سبع فوائد»..أهمها أن تري العالم بعيون أخري فتلتفت لما كنت غافلاً عنه أو تتعلم ما كنت جاهلاً له أو تستشرف ما كان بعيداً عنك.

في إحدي المحاضرات سألت إحدي الطالبات لماذا لا يدرك صانع السياسة المصري كذا وكذا مع فلسطين، ولماذا لا يفتح المعابر، وزدتها من الشعر بيتاً فقلت لها : ولماذا لا ينصف أهل سيناء، ولماذا لا يفرج عمن قضوا في السجون فترة حكمه المبارك كلها وآن أن تقوم معهم مصالحة تطوي صفحة الماضي وقد أنضجوا أفكارهم وطوروا اجتهاداتهم، ولماذا لا يفكر الوزراء في حلول عملية ولماذا لا يبني الأحزاب سياسة تحالفية؟

الإجابة ببساطة ليس أن هؤلاء أشرار بطبعهم أو يتعمدون خراب البلاد (وهو موضوع في النهاية سيظل محل اختلاف)، لكن الإجابة هو أن من يقضي السنوات الطوال لا يخالط إلا الأغنياء ولا يقابل إلا الرؤساء ولا يجلس إلا في أماكن مكيفة الهواء ولا يمشي إلا من سيارة لطيارة علي السجاجيد الحمراء، هذا المسكين لا يمكن أن يفهم معاناة المعدمين ولا سكان المقابر والعشوائيات. يمكن فقط أن يمر بمكان فيه فلاح تم التأكد من عدم تهديده للأمن القومي وأن يتم تصويره معه وهو يبتسم لأنه «نصير الفقراء»، لكن أتحدي أن يكون قد مشي علي أرضية اختفت ملامحها تحت المجاري، أو أن يكون قد دخل منطقة عشوائية وجلس إلي أهلها دون حرس ولا خدم ، أو بات ليلة من لياليهم في حر الصيف أو برد الشتاء دون صرف صحي ودون ماء.

المسافات والمساحات هي التي تشكل الوعي، ولقد أدركت ذلك حين حملتني أقداري لمنتديات دولية ودخلت القصور الرئاسية، وحملتني نفس الأقدار لمجالسة البسطاء فوق أسطح منازلهم والتجول في الأحياء التي يناضل أهلها من أجل البقاء..ثم أسكنني الله المنزلة بين المنزلتين بحكم أني من الفئة التي يسمونها الطبقة الوسطي.

هذه المساحات الرأسمالية والسلطوية لا تري الناس، لا تفهم معاناتهم، ولا تنصت لأصواتهم.البتة.البتة..وكمان البتة- ثلاثاً.

وكلما زادت المسافة المكانية، ناهيك عن المسافة الوجدانية، كانت هناك خيارات محسومة وقضايا خارج الاعتبار وتوجهات تفرضها المساحة وتثمرها المسافة.

المساحات أيضاً لها دور، وكثيراً ما قلت للطلاب إن الأنساق الفكرية والأخلاقية لا تنفك عن المساحة التي يعيش فيها الإنسان. كيف يمكن أن تتخيل أو تتصور مفهوم الأخلاق المدنية وأنت تعيش في غرفة بها ستة أفراد في شقة بها أربع أسر في مكان بلا خدمات تحتاج ربع ساعة كي تصل عبر دروبه للشارع الرئيسي ومن هناك تحتاج ثلاث مواصلات للوصول لمقصدك. كيف يمكن أن تطالب الناس بالمستوي الأعلي من اللياقة والأخلاق الحميدة والتدين المعتدل وهم يحتاجون للشراسة كي يعيشوا، وللصوت العالي كي ينصت لهم الآخر وللتدافع كي يحصلوا علي رغيف العيش ولاستخدام العنف كي يوفروا لأنفسهم الحد الأدني من الأمن في ظل غياب الدولة أو وطأة ثقلها عليهم- وليس لهم.

تصبح المشكلة عندك أنت ، لأنهم بين خيارين ، إما أن يتبعوك فلا يؤدي ذلك لتحسين مستوي حياتهم بل يؤدي لمزيد من الخسارة والغبن وبذلك يكون الخطاب المدني قد أفسد عليهم حياتهم بدلاً من أن يصلحها وذلك وفق معطيات الواقع ، أو ألا يصدقوا خطابك النخبوي ويستمروا علي ما هم فيه فيصبح خطابك بلا معني ولا منطق، فتخسر ويخسرون ولا يكسب سوي علاقات القوي الظالمة التي وضعتهم في هذا المأزق التاريخي، ووضعت الخطاب المدني بل والأخلاقي النبيل في موضع اليوتوبيا التي يمر بها الناس فيهزوت رؤوسهم ثم يمضون لأنه محض أحلام..أو محض هراء.

يجب أن يكون هناك سبيل لعبور تلك المسافات التي تفصل عوالمنا المختلفة حيث يري كل طرف العالم من منظوره، ويجب أن نعيد تشكيل المساحات لتكون أكثر إنسانية وقدرة علي توفير الحد الأدني الإنساني من ظروف العيش للناس قبل أن نطالبهم بالتمدن، لأنه لا يعرف الشوق إلا من يكابده، وليست النائحة الثكلي كالمستأجرة!!

لكن تظل هناك حاجة لتغيير العقول، وتثقيف الجهلاء، والجهل ليس مرادف الأمية بل الجهل-والجاهلية- حالة وعي وفهم للمسافات، والمساحات.

ولماذا نذهب بعيداً، التوحيد ذاته وفي جوهره وعي بالمسافات، المسافة التي بين الإنسان والجنة، والإنسان والآخرة، وفلسفة تلك المسافة، وفلسفة الحياة ومغزي الموت، والدين وعي بالمساحات، مساحات العبادة ومساحات العمل، مساحات اليقين والقدر ومساحات الفعل الجهادي-جهاد النفس ومجاهدة الظلم بمستوياته، وأخيراً مساحات العام ومساحات الخصوصية، حقوق الجماعة وإرادة الفرد.

الأفكار لا تطير في الهواء والتحولات لا تخضع للرغبات أو الأهواء، الأفكار وارادة التغيير فيها بعد مهم نسيناه طويلاً هو المكان والمساحة والمسافة، وما لم تتقارب المسافات وتتمايز لكن تتواصل المساحات فإن الخطط والبرامج والأيديولوجيات والمواعظ ستنزل علي صفوان صلد ولن تثمر أي شيء.

هذا ما أسماه فلاسفة الوجودية الرفيعة تضافر أبعاد ذات ومكان وزمن، وما فهمه الفقهاء بعمق حين اجتهدوا لتنزيل الأحكام علي الواقع من أجل حياة أفضل، وما عجزت حتي الآن قوي الإصلاح عن تفعيله، لذلك ندور في دوائر مغلقة وننفق جهداً جهيداً دون عائد. بالتأكيد فيه حاجة غلط في السلطة..لكن فيه حاجة غلط هنا في المعارضة أيضاً..تحتاج منا تفكيراً عميقاً في سبل النهضة ومفاتيح الإصلاح.

«ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا».