قررت أن أكمل التجوال في القاهرة يوم الجمعة، ليس بغرض التنازع حول حقوقنا السياسية بل لالتماس بعض لحظات من السلام.
السلام…. كم هو نادر هذا المعني في حياتنا.
في مدينة مزدحمة كالقاهرة يصبح السلام مطلباً عزيزاً، فكيف تشعر بسلام داخلي وأنت تجري طوال الوقت، وتقف ساعات في الطرقات في طريقك من مكان لآخر ..«في يوم مزدحم قطعت فيه القاهرة من شرقها لغربها في أعمال متنوعة وجدت أنني قضيت أربع ساعات كاملة في داخل السيارة، أي وقت كاف للوصول لإيطاليا وتقريباً ضعف الوقت اللازم للسفر لدمشق.
وكيف تستقر في قلبك مشاعر الطمأنينة والضجيج يحاصرك في كل لحظة، من ضجيج الشوارع لأغاني كاسيت أبناء الجيران لفرح مجاور لصوت مكبر موديل الستينيات لقارئ في مأتم في آخر الشارع. وفي الليل لو كنت تسكن في شارع رئيسي فقد يشق هدوء الليل صوت آلة تنبيه سيارة نصف نقل أو بوق مقطورة فتدعو للسائق بكل خير؛ لأنه أطار النوم من عينيك فأيقظك! «وتقريباً أيقظ الموتي» لتصلي لله في جوف الليل.. فالصلاة خير من النوم- شكراً.وكيف تجلس مع نفسك في هدوء أو تسير تتأمل علي كورنيش النيل وقد احتلت النوادي والفنادق ضفة النيل، وكيف تسير لتشم هواء وتسترخي دون توتر والتلوث يغطي القاهرة ويمنعك من التجوال الهادئ ون استدعاء الحساسية الكامنة في صدرك؟
الحل الوحيد هو أن تنفرد بالقاهرة صباح يوم الجمعة!
جرب بعد الفجر أن تخرج للشروق علي كوبري من الكباري التي تتيح لك رؤية النيل ومشهده البديع مع بداية يوم إجازة، وأهل القاهرة ما زالوا في بيوتهم نياماً أو في كسل لذيذ بعد جنون مساء الخميس وسهره الذي يتم فيه الاحتشاد لتعويض كبت الأسبوع من خروج الشباب والكبار والصغار للشارع؛ لأن اليوم التالي بدون عمل ولا دراسة ويمكن النوم ..حتي صلاة الجمعة!
ست ساعات هي فرصتك الوحيدة للاستمتاع بمدينة هي من أجمل المدن حين تكون نائمة ومن أشرس المدن حين تستيقظ!
نزلت للقاهرة الفاطمية، وتجولت في الشوارع التي تحمل عبق رائحة البخور التي تمتزج بروائح التوابل ويجملها شذي محلات العطور الشرقية. بعد تجديد شارع المعز أصبح المشي ممكنا وعقبال شارع الجمالية. كانت تلك نزهتي المفضلة منذ سنين طويلة ، المشي من شارع الأزهر يساراً حتي مسجد الحاكم بأمر الله، ثم العودة للجهة المقابلة عبوراً للغورية ووصولاً للخيامية، وشرب الشاي بالنعناع في خان الخليلي. كنت عادة أتجول وحدي، اشتري كتاباً من الصنادقية أو قد آخذه في طريقي من مكتبة دار الأنصار في شارع الجمهورية ، ثم أسير في أرجاء حضارتي وهويتي، وأجد نفسي في المساجد الصغيرة القديمة أو الجوامع التاريخية.. أجلس في الظل علي السجاجيد التي فقدت لونها من طول العمر للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح، وأعود مع أذان الجمعة أدراجي؛ لأن الصلاة في قسم النساء في مساجد القاهرة القديمة خاصة الحسين بهرجه وضوضائه تفقدني الخشوع تماماً .وهو معني الخشوع الذي تعرفه لو دخلت مساجد تركيا وسمعت عذوبة صوت المؤذن ورأيت حفاوة الأتراك بالمساجد وصمتهم بداخلها وسكون مساحاتها الذي يشعرك بسكينة عجيبة، ولن أستطيع الحديث عن سكينة الحرمين، فلم أتمكن من زيارة الحجاز بعد «لكن علي أي حال حسبنا الله ونعم الوكيل في وزارة أوقافنا وأذان مساجدها»!
أعباء الحياة وضيق الوقت حرماني من هذه الفسحة والتجوال والاقتناص للحظات هدوء وخاصة حين تبدأ مساجد القاهرة القديمة في الاستعداد لصلاة الجمعة فتمنح روحاً مختلفة للمشهد.لم يعد السلام مطلباً سهلاً، ومما ترويه حكايات السلف أن السلام يذهبه الهم؛ لأن الهم يغلب حتي النوم.والهم عندنا أكثر من المعدلات المسموح بها دولياً وأفتك بنا وأشد إهلاكاً لأرواحنا من الأسلحة الكيماوية والقنابل النووية.
خطاب السلام بعد معاهدة كامب ديفيد أفسد علينا الشعور بمعني الكلمة، فتمت سرقة الدلالة والمشاعر ولم يعد المرء يتحدث عن السلام بل عن الراحة-تايم أوت-ريلاكس!!
أما سلام النفس، وراحة القلب، واستقرار الوجدان فصارت معاني صعبة المنال في ظل تعقد الأحوال.
صرنا نخرج للمولات ونتجول في المحلات وندعو أصدقاءنا للكافيهات وكلها أماكن ضجيج واستهلاك وبيع وشراء-أسواق أسواق أسواق، ولا سلام في الأسواق أبداً.
كيف يمكن أن نستعيد هذا السلام مرة أخري؟
صار دعائي المفضل في نضال معايشة صراعات القاهرة اليومية :
اللهم أنت السلام ومنك السلام..تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
عدت أدراجي للبيت قبل أن تصحو القاهرة، وقبل أن يفيق الوحش النائم، وقبل أن يبدأ صوت الضجيج ودخان أشبه بدخان الحريق وقبل أن تفقد القاهرة.. البريق.
بضع ساعات أنتظرها كل جمعة.
بضع ساعات.. بحثاً عن السلام.