من الشارع.. للفلسفة..للمستقبل

قضيت يوم الخميس الماضي في عمان وعدت الجمعة، لحضور مؤتمر دولي عن الفلسفة الإسلامية، فحمدت الله أنني من أهل العلوم السياسية، فجدل أساتذة الفلسفة محلق في قمم الحكمة وقضايا تاريخ الأفكار والعلاقة الملتبسة بين الفلسفة والدين، والنقاشات حول مراتب العقل ومستويات النظر وتقاطع الخبرات الحضارية في فهم النسبي والمطلق.

 

لم أختر الذهاب، فقد فرضه التزام أخلاقي لم أستطع الفكاك منه، وهو أن أقدم بحثاً كان الدكتور عبدالوهاب المسيري ـ رحمه الله ـ قد قرر أن يشارك به، وأعده بالفعل تحت عنوان من «ضيق المادية إلي رحابة الإنسانية والإيمان»، لكن القدر أراد أن يرحل وأن يتم تكليفي بتلك المهمة الثقيلة من قِبل اللجنة المنظمة الثقيلة علي النفس والقلب.

قطعت المسافة بين القاهرة وعمان صبيحة يوم مشرق في ساعة طيران، أي في وقت أقل من الفترة التي استغرقها الوصول من ميدان التحرير إلي التجمع الخامس، حيث كنت الأسبوع الماضي في جولة التجمع-ترسة والطالبية-الجيزة-وسط البلد «موضوع المقال السابق»، خاصة أن المسافة بين كورنيش مصر القديمة دخولاً للزهراء«دار السلام» إلي مطلع كوبري المنيب والمحور باتجاه التجمع لوحدها تأخذ أحياناً نصف ساعة لأن الشارع الضيق الموصل هناك أسفلته مدمر من جهة اليمين وجهة الشمال عليها قمامة ومخلفات بناء بما لا يسمح إلا بمرور سيارة واحدة فقط في طابور طويل من «الزحف المقدس» يعطل بدوره الطابور النازل من المحور باتجاه مصر القديمة لأن السيارات الهابطة من الكوبري تصطف جهة اليسار للدوران ودخول المنطقة أسفل الكوبري. ولو كلف محافظ القاهرة نفسه بقيادة سيارته والمغامرة بالتجوال في قلب القاهرة لوجد العجب العجاب ولعرف أسباب الازدحام غير المفهوم في ساعات الذروة، هذا من الأسباب في تلك المنطقة وفي غيرها أسباب لا تقل سخافة ولا تحتاج سوي متابعة ومرور بالشوارع من مسئولي الأحياء، لكن يبدو أنه لا حياة لمن تنادي.

ما علينا.. عودة للفلسفة، أقول وصلت لعمان بأسرع مما أصل لبعضش مناطق القاهرة لأنزل مدينة زرتها من قبل مرات عديدة، وفي كل مرة يذهلني هدوؤها ونظافتها وبنيانها الجميل المميز ودماثة أهلها، ففوجئت بأنها لم تسلم من لعنة العصر: نهم الرأسمالية التي تجتاح كل المساحات، فقد غزت عمان أموال دبي، وأموال الحريري التي اشترت مقر الجيش الأردني بجوار مجلس النواب وهي رمز تاريخي للأردن فسوتها بالأرض وهي أقدم بناية في عمان «أي مسحت تاريخ الأردن وجزءًا من ذاكرتها» وبدأت تبني فيه أبراجًا قبيحة ستؤدي لتكدس العاصمة وازدحامها وتحميل عبء علي خدماتها لكن يبدو أنه لا أحد يملك أن يقول: لا لأموال الحريري وفائض أموال النفط التي ستدمر التنسيق الحضاري والطابع الراقي لواحدة من أكثر المدن العربية تجانساً في هذا الصدد-ولله الأمر من قبل ومن بعد ـ وحسبنا الله في أموال قارون التي تدمر كل شيء ـ.

وصلت لقاعة المؤتمر عرضت البحث وتوكلت علي الله أتجول في عمان، فقد كانت تتلبسني -ومازالت- فكرة إعادة تشكيل المدن لصالح الرأسمالية بما يقضي علي النسيج الحضاري والاجتماعي «مدينة دبي سيدة هذا النموذج بامتياز لكن لا أحد يفتح فمه في هذا الموضوع لأن حاكمها يعرف كيف يسكت الألسنة جيداً»، وفكرة «حركة الشارع» ـ التي أدعو لها ـ هدفها تمكين المستضعفين الذين تسقط حقوقهم في الحد الأدني من الخدمات والرعاية كمواطنين ضد المستكبرين الذي يقومون بتخصيص أرض الناس/الدولة وتدوير الثروة والسلطة بين نخبة محدودة العدد شديدة النهم والجشع، ولو علي جثة ضحايا العبارة والقطار والأحجار والجوع وأمواج مياه البحر الأبيض المتوسط التي يقع وراءها حلم الحد الأدني من الكرامة.

نعم هي مدينة صغيرة، مقارنة بالقاهرة، لكن النظافة لافتة، والتزام الناس بقواعد المرور، وأهم شيء: الهدوء النسبي.

ليس مستحيلاً أن تتحول القاهرة لنطاقات، وأن يدار كل نطاق كما تدار عاصمة معقولة الحجم… إنسانية المجال.

لكن القاهرة يبدو أنها لم تعد تعني صناع القرار، وإن فكروا فيها فمن منطلق أمني، أو من منطلق استثماري، ومن أكثر ما قرأته مؤخراً سفهاً هو تصريحات وزير الثقافة في الأهرام عن التفكير الجدي في استثمار البيوت الإسلامية القديمة التاريخية في القاهرة الإسلامية وتحويلها لفنادق فاخرة، وأن إسبانيا قد فعلت ذلك، واقتراحي أن يترك البيوت الإسلامية التراثية في حالها ويؤجر بيوته هو، أو أن يبدأ فكرة استثمار الآثار بتأجير الهرم مفروشاً علي أن يتم التأجير بالليلة، وأنا أضمن له أنه لو بدأ في مساعدة وزارة السياحة في تنظيف وتجديد الهواء داخل الهرم الذي زرته مع أصدقاء ففوجئت برائحته الكريهة وببقايا مناديل وأوراق متناثرة داخل المساحة الصغيرة التي يصل لها السائح بداخله، وأضاءه بشموع برائحة الفانيليا أو اللافندر «حسب طلب النزلاء» وأجره بمليون دولار في الليلة فسيجد هذا العرض إقبالاً شديداً من أثرياء العالم، خاصة أثرياء آسيا وأصحاب العقائد الفريدة التي تقدس شكل الهرم وتؤمن بأن له أسراره الروحية والكونية، فليتفضل. «تري هل هذا نوع وفلسفة خططه التي سيقدمها لتطوير تراث العالم إذا حدث وتولي رئاسة اليونسكو؟!!».

تجولت في عمان وأنا لم تفارقني هموم القاهرة لحظة، وعدت للقاهرة وأنا أحلم لها بأن تكون في نظام ونظافة عمان، ومن جدل الفلسفة إلي تحولات الشارع العربي إلي هموم الشارع المصري- يا قلبُ لا تحزن.. إن الله: أكبر.

قضيت يوم الخميس الماضي في عمان وعدت الجمعة، لحضور مؤتمر دولي عن الفلسفة الإسلامية، فحمدت الله أنني من أهل العلوم السياسية، فجدل أساتذة الفلسفة محلق في قمم الحكمة وقضايا تاريخ الأفكار والعلاقة الملتبسة بين الفلسفة والدين، والنقاشات حول مراتب العقل ومستويات النظر وتقاطع الخبرات الحضارية في فهم النسبي والمطلق.

 

لم أختر الذهاب، فقد فرضه التزام أخلاقي لم أستطع الفكاك منه، وهو أن أقدم بحثاً كان الدكتور عبدالوهاب المسيري ـ رحمه الله ـ قد قرر أن يشارك به، وأعده بالفعل تحت عنوان من «ضيق المادية إلي رحابة الإنسانية والإيمان»، لكن القدر أراد أن يرحل وأن يتم تكليفي بتلك المهمة الثقيلة من قِبل اللجنة المنظمة الثقيلة علي النفس والقلب.

قطعت المسافة بين القاهرة وعمان صبيحة يوم مشرق في ساعة طيران، أي في وقت أقل من الفترة التي استغرقها الوصول من ميدان التحرير إلي التجمع الخامس، حيث كنت الأسبوع الماضي في جولة التجمع-ترسة والطالبية-الجيزة-وسط البلد «موضوع المقال السابق»، خاصة أن المسافة بين كورنيش مصر القديمة دخولاً للزهراء«دار السلام» إلي مطلع كوبري المنيب والمحور باتجاه التجمع لوحدها تأخذ أحياناً نصف ساعة لأن الشارع الضيق الموصل هناك أسفلته مدمر من جهة اليمين وجهة الشمال عليها قمامة ومخلفات بناء بما لا يسمح إلا بمرور سيارة واحدة فقط في طابور طويل من «الزحف المقدس» يعطل بدوره الطابور النازل من المحور باتجاه مصر القديمة لأن السيارات الهابطة من الكوبري تصطف جهة اليسار للدوران ودخول المنطقة أسفل الكوبري. ولو كلف محافظ القاهرة نفسه بقيادة سيارته والمغامرة بالتجوال في قلب القاهرة لوجد العجب العجاب ولعرف أسباب الازدحام غير المفهوم في ساعات الذروة، هذا من الأسباب في تلك المنطقة وفي غيرها أسباب لا تقل سخافة ولا تحتاج سوي متابعة ومرور بالشوارع من مسئولي الأحياء، لكن يبدو أنه لا حياة لمن تنادي.

ما علينا.. عودة للفلسفة، أقول وصلت لعمان بأسرع مما أصل لبعضش مناطق القاهرة لأنزل مدينة زرتها من قبل مرات عديدة، وفي كل مرة يذهلني هدوؤها ونظافتها وبنيانها الجميل المميز ودماثة أهلها، ففوجئت بأنها لم تسلم من لعنة العصر: نهم الرأسمالية التي تجتاح كل المساحات، فقد غزت عمان أموال دبي، وأموال الحريري التي اشترت مقر الجيش الأردني بجوار مجلس النواب وهي رمز تاريخي للأردن فسوتها بالأرض وهي أقدم بناية في عمان «أي مسحت تاريخ الأردن وجزءًا من ذاكرتها» وبدأت تبني فيه أبراجًا قبيحة ستؤدي لتكدس العاصمة وازدحامها وتحميل عبء علي خدماتها لكن يبدو أنه لا أحد يملك أن يقول: لا لأموال الحريري وفائض أموال النفط التي ستدمر التنسيق الحضاري والطابع الراقي لواحدة من أكثر المدن العربية تجانساً في هذا الصدد-ولله الأمر من قبل ومن بعد ـ وحسبنا الله في أموال قارون التي تدمر كل شيء ـ.

وصلت لقاعة المؤتمر عرضت البحث وتوكلت علي الله أتجول في عمان، فقد كانت تتلبسني -ومازالت- فكرة إعادة تشكيل المدن لصالح الرأسمالية بما يقضي علي النسيج الحضاري والاجتماعي «مدينة دبي سيدة هذا النموذج بامتياز لكن لا أحد يفتح فمه في هذا الموضوع لأن حاكمها يعرف كيف يسكت الألسنة جيداً»، وفكرة «حركة الشارع» ـ التي أدعو لها ـ هدفها تمكين المستضعفين الذين تسقط حقوقهم في الحد الأدني من الخدمات والرعاية كمواطنين ضد المستكبرين الذي يقومون بتخصيص أرض الناس/الدولة وتدوير الثروة والسلطة بين نخبة محدودة العدد شديدة النهم والجشع، ولو علي جثة ضحايا العبارة والقطار والأحجار والجوع وأمواج مياه البحر الأبيض المتوسط التي يقع وراءها حلم الحد الأدني من الكرامة.

نعم هي مدينة صغيرة، مقارنة بالقاهرة، لكن النظافة لافتة، والتزام الناس بقواعد المرور، وأهم شيء: الهدوء النسبي.

ليس مستحيلاً أن تتحول القاهرة لنطاقات، وأن يدار كل نطاق كما تدار عاصمة معقولة الحجم… إنسانية المجال.

لكن القاهرة يبدو أنها لم تعد تعني صناع القرار، وإن فكروا فيها فمن منطلق أمني، أو من منطلق استثماري، ومن أكثر ما قرأته مؤخراً سفهاً هو تصريحات وزير الثقافة في الأهرام عن التفكير الجدي في استثمار البيوت الإسلامية القديمة التاريخية في القاهرة الإسلامية وتحويلها لفنادق فاخرة، وأن إسبانيا قد فعلت ذلك، واقتراحي أن يترك البيوت الإسلامية التراثية في حالها ويؤجر بيوته هو، أو أن يبدأ فكرة استثمار الآثار بتأجير الهرم مفروشاً علي أن يتم التأجير بالليلة، وأنا أضمن له أنه لو بدأ في مساعدة وزارة السياحة في تنظيف وتجديد الهواء داخل الهرم الذي زرته مع أصدقاء ففوجئت برائحته الكريهة وببقايا مناديل وأوراق متناثرة داخل المساحة الصغيرة التي يصل لها السائح بداخله، وأضاءه بشموع برائحة الفانيليا أو اللافندر «حسب طلب النزلاء» وأجره بمليون دولار في الليلة فسيجد هذا العرض إقبالاً شديداً من أثرياء العالم، خاصة أثرياء آسيا وأصحاب العقائد الفريدة التي تقدس شكل الهرم وتؤمن بأن له أسراره الروحية والكونية، فليتفضل. «تري هل هذا نوع وفلسفة خططه التي سيقدمها لتطوير تراث العالم إذا حدث وتولي رئاسة اليونسكو؟!!».

تجولت في عمان وأنا لم تفارقني هموم القاهرة لحظة، وعدت للقاهرة وأنا أحلم لها بأن تكون في نظام ونظافة عمان، ومن جدل الفلسفة إلي تحولات الشارع العربي إلي هموم الشارع المصري- يا قلبُ لا تحزن.. إن الله: أكبر.