مدرسة الرحمة – 2

أوسطه.. مغفرة

رمضان شهر نزول القرآن بالبينات، ورمضان أوسطه مغفرة، فما هي دروس المغفرة في القرآن؟

المغفرة تقابل العذاب في آيات عديدة، وهي لمن يملك العقوبة والعذاب.. إن شاء عذب وإن شاء غفر.

وترتبط بها معاني العفو والصفح، لكنها أعلي، ويرتبط بها الصبر.. فلا مغفرة بلا قاعدة من خلق الحلم والصبر، وهي قرينة الرحمة، فلا عجب أن يتكرر ويقترن اسم الله الغفور.. باسمه الرحيم.

لكن المغفرة لا تقع علي بعض الذنوب كالشرك، أو لمن تراوح ما بين الإيمان والكفر المرة تلو المرة، أو من تمادي في الغي، والمغفرة قريبة من المستغفرين الأوابين الذين لا يصرون علي ما فعلوا.. وهم يعلمون.

والعبد الصالح يطمع في مغفرة الله، فقد آمن وأصلح وينشد مغفرة.. ورضوان، لكنه لا يفعل ذلك بحسن ظن لا يدعمه عمل وإلا لكان كاذباً في زعمه أنه يحسن الظن بالله.. «لو أحسنوا الظن.. لأحسنوا العمل». فالإقرار بالذنب أول مدارج المغفرة، «والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين»، والله يصلح عمل الصالحين فيغفر لهم ذنوبهم، لكنه تعالي لا يصلح عمل المفسدين.

وحب الرسول والإكثار من الصلاة عليه باب من أبواب المغفرة، كيف لا وقد قال له ربه أن يدعو الناس «فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم»، وكيف لا يغفر الله ذنوب المحبين للمصطفي حب اتباع وتسنن وهم علي خطي من غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فتمت عليه نعمته.. واكتملت هدايته.

والذكر والقرب من الله والعمل الصالح مفتاح لنور يجعله الله للعبد فيمشي به.. فيغفر له.

ونتأدب بأدب المغفرة فنتعلم كظم الغيظ والعدل في الغضب، «وإذا ما غضبوا هم يغفرون»، والمغفرة حين تغدو خلق المؤمن فإنها تعكس التواضع، لأنه حين يهم بالعقوبة يتذكر قول الله تعالي «واعفوا واصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟» تذكرها أبو بكر فيمن خاض في عرض عائشة ابنته في حادث الإفك فمنع عنه عطية كان يمنحها إياه، فلما نزلت الآية قال أبو بكر «بلي.. أحب أن يغفر الله لي!»، وعفا وأعاد له ما كان يجريه للصحابي بعد أن اعتذر عما فعل. فالمغفرة من المؤمن وعي بأن ابن آدم يخطيء، وأن يلتمس بالمغفرة للآخرين.. مغفرة الله له.

والله خير الغافرين.

والاستغفار يعصم من العذاب، «وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون»، وفيه صيغ للنبي منها الاستغفار عن كل ذنب، ما وعي العبد وما غاب عنه، صغير الذنوب وكبيرها، ففي الاستغفار توبة متجددة، وهو قرين التسبيح.. «فسبح بحمد ربك واستغفره».. لا ينشد العبد الصالح محض الإفلات من العقوبة بل يلتمس قرباً من الغفار لأنه يعلم أن الله غفور رحيم.. وأنه ودود.. «واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود».

والاستغفار باب الرزق.. «فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدراراً».. شكر النعم وعدم جحود فضل الله والمداومة علي الاستغفار باب الرحمة الواسعة والرزق الكثير.

والله يغفر لمن يصلح بين الناس، فالسعي بالخير بين العباد مدخل للمغفرة، فالجماعة باب مغفرة واسع لا العبادة الفردية فحسب، والتوبة تقترن بالإصلاح، وكثير من الذنوب كفاراتها فيض خير يعم، التماساً لمغفرة الله وطمعاً في أن ينظر للعبد التائب نظر رحمة فيغفر له.

ومغفرة الله مغفرة القاهر فوق عباده، فهو سريع العقاب لكنه غفور رحيم، فمسارعة الأوابين إلي الفرار إلي جنب الله وقوفاً ببابه وإصلاحاً تدفع العقوبة والعذاب وتستدعي العفو والرحمة، وقد وعد الله عباده بذلك.

كما قرن القرآن بين الرحمة والمغفرة من ناحية.. والتقوي من ناحية أخري، فإن علم الله تقوي القلوب غفر الزلات، فكل ابن آدم خطاء.. وخيرهم التوابون، والله يحب.. المحسنين.. «إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإن الله غفور رحيم».. ثم دفعه الإحسان والإصلاح إلي التأدب بالإحسان خلقاً في حياته في معاملة غيره.. فلان جانبه.. وبعد العفو والمغفرة بينه وبين الناس زادهم بإحسان.. لينال حب الله.. بعد مغفرته.

«نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم».. فبين الطمع في عفوه وخشية عقابه. يتقلب المؤمن في الدعاء بين الخوف والرجاء، ومنهم من يرتقي فيطيع طاعة المحب.. مجاهدةً للنفس وتسليماً للحق. .. ومن الناس من يبدل الله سيئاتهم حسنات.. بعد أن يغفر لهم.. ويرفعهم الدرجات.. مغفرة ورحمة.. «لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم».. وفي آية أخري.. «وأجر كبير».. للذين يخشون ربهم: بالغيب.

والله أرحم بعباده.. «وإن ربك لذو مغفرة للناس علي ظلمهم.. ».

وللاستغفار أوقات فضلّها الله.. منها السَحَر.. حين يجن الليل ويخلو كل حبيب بحبيبه، أو حين يغفل الغافلون ويقوم العاشقون لنوره.

نسأل الله منه.. رحمة.. ومغفرة.. وعتق من النار