جذور الديمقراطية: البدء بالشارع

عطفاً علي مقالي الأسبوع الماضي عن بناء حركة شعبية لتغيير وجه القاهرة أجد أنه ينبغي تطوير الأفكار عن أزمة الشارع السياسي بردها لأزمة الشارع.. كشارع، وقد استمريت في تجميع ملاحظاتي ومشاهداتي كي أبني تصوراً واقعياً للقضايا التي تحتاج مناقشة، والسياسات التي تحتاج تطويراً.

 

وبحكم كوني أسكن في وسط البلد فقد قطعت مجددا شوارع المنطقة التي أسكنها، لكن هذه المرة حاملة نية محددة للجولة، وعازمة أن أتجول في أحياء كثيرة أعرفها وسأزورها في إطار هذا «المشروع الوطني»، من منشية ناصر لحلوان، ومن أطراف حي الهرم إلي مدينة نصر وعين شمس والمطرية وغيرها من الأحياء.

أجدد القول بأننا بحاجة لحركة شعبية لم يتم تأسيسها بعد وأجندتها مفتوحة للمجتمع الأهلي وللساحة المدنية بل وللدولة كي يتعاون عليها الجميع من تطوير الفكرة لاتخاذ القرار السياسي بل وتغيير القانون..

أول ما لاحظته هي مسألة غاية في الطرافة: من أول ميدان رمسيس لشارع الجلاء لميدان التحرير لا يوجد صناديق قمامة للمارة. وسط البلد بالغ القذارة، وكدت أتهم الشعب باستسهال إلقاء المخلفات والتراخي في الحفاظ علي النظافة لكن للأمانة فالناس معذورة تماماً. في الواقع لا توجد صناديق قمامة في الشارع..بل في بعض الأحيان لا يوجد «شارع» بالمعني الدقيق أًصلاً..!

كان هذه بمثابة اكتشاف يشبه اكتشاف أحمد زويل للفيمتو ثانية. وللأمانة فقد بقيت لفترة في حالة ذهول. فإذا كانت رئاسات الأحياء قد فقدت الأمل في قيام المواطن بتسديد رمية صائبة لعلبة العصير أو المنديل أو أي شيء يريد التخلص منه داخل صندوق القمامة الصغير المعلق سابقاً بعمود النور مما كان يؤدي لتناثر القمامة في الشارع فإن الحل الذي تم التوصل إليه لم يكن وضع صناديق في قلب المساحات المفتوحة في الميادين وعلي النواصي أو إلزام المحال بوضع صندوق قمامة خارجها علي الأرصفة بل كان تجاهل الموضوع برمته بحيث يتم تعميم القمامة علي كل المساحات بالعدل أو بالأحري بالنصيب حسب مزاج الناس حيث يلقوا بمخلفاتهم وهم سائرون في أي مكان مشاعاً «هذه هي الشيوعية الوحيدة في شوارع تم خصخصتها من قبل أصحاب العمارات أو المحال أو سيارات الأمن أو مافيا ركن السيارات». ويمر رجال جمع القمامة لكنس الشوارع بإيقاع بطيء مضحك يزيد من ترديه وقوفهم للتسول في الإشارات أو من المارة أنفسهم..هؤلاء المارة الذين يتحركون بوعي يقظ علي أرصفة كثير من بلاطها مكسور وكثير من أعمدة النور فيه غير مضاء..والأرصفة يتفاوت ارتفاعها من 20 سنتيمتراً لنصف متر كامل!!

وليس مثال قلب القاهرة انحيازاً للحي الذي أسكنه بل لأنه إذا كان وسط البلد بهذا النقص في خدمة توفير صناديق قمامة للمارة،وصيانة الطرقات، وطفح المجاري، وإذا كانت الدولة لا تبني عدداً كافياً من المراحيض العامة «ميدان التحرير به مرحاض، وميدان باب اللوق فيه آخر، وميدان عبدالمنعم رياض تحول لمرحاض عام مفتوح من الكورنيش لنهاية سور المتحف ومن أسفل كوبري أكتوبر لأطراف موقف السوبر جيت» وكان هذا حال التعامل مع وسط العاصمة الذي يمر به المواطن «ولا يهمني في الحقيقة السائح إلا بعد أن يكتفي المواطن ويشبع احترام» فلك أن تتخيل الحال في مناطق أخري، من بين السرايات لبولاق لغيرها . وأقسي مشهد في القاهرة ليس مشهد الفقر بل إخفاء الفقر خلف سور مرتفع علي كوبري المنيب بعد تجاوز كورنيش المعادي باتجاه كارفور، فثمن السور كان يكفي لتأسيس مشروع جمع قمامة وتدويرها للبؤساء الذين لا يريد الأغنياء رؤيتهم علي الجانبين وهم في طريقهم للتجمع الخامس إلي قصورهم الصغيرة.. سلطات الأحياء تركت الأمور إلي ما صارت إليه لكن بالطبع لم تنس دور الجباية فما زالت بكل صفاقة تجمع الجنيهات علي فاتورة الكهرباء وتأخذ أموال دافعي الضرائب لتقديم خدمات تنظيف ورصف وحماية الشوارع.. ولا تفعل شيئاً. أما تأمين الشوارع من الناحية المرورية والأمنية فقضية لها مقام آخر.

المواطن حين يري هذا التراخي وهذا التجاهل لحقوقه كإنسان في طريق نظيف آمن وحقوق السكان في شارع نظيف يعيشون فيه يليق بهم فلا لوم عليه لو ألقي مخلفاته في الشارع أو من نافذة منزله، فالشعور بالكرامة في المكان العام هو البداية، فالمكان العام أول مساحة ينخرط فيها الفرد مع المجموع خارج الأسرة، والشعور بالمواطنة ليس قضية «تربية قومية» ..بل هو مسألة الوفاء بحاجات يقابلها واجبات علينا تتجلي في الحياة اليومية من احترام للشارع والحق في الطريق إلي احترام للمواطنين الآخرين واحترام الملكية العامة، لبناء سلوك متمدن تجاه الشعب الذي ينتمي إليه المواطن، هذه هي خطوات بناء لمجتمع محترم ونظام يعبر عن احتياجات الناس ويضمن حقوقهم.

ربما يبلغ عدد الندوات التي حضرتها في العام الماضي عن التحول الديمقراطي وتمكين المجتمع المدني وتفعيل المواطنة أربعين أو أكثر، لكن التغيير الاجتماعي والتحول الديمقراطي لا يحدث من أعلي بل يتراكم في الواعي والسلوك وينمو لحركة وتيارات من أسفل، ما نقصده بالمواطنة والمشاركة في المجال العام بدءاً من الشارع صعوداً بعدها للمجال المدني وترسم خرائط السياسي هو البداية في تقديري. المواطن «القرفان» الذي لا يستطيع أن يشعر بالمكان من حوله ولا يستطيع أن يمشي في الشارع ولا يشعر بالأمان علي الطريق ولا يستطيع التنفس لعدم وجود تهوية وتكييف في المترو ولا يري في تجواله في المصالح الحكومية مكاناً للانتظار احتراماً لآدميته ولا أي انعكاس لسياسات تقدم الحد الأدني من الاحترام له لن يشعر بأي حرج من قضاء حاجته في الشارع ليس كفعل بيولوجي بل ربما كفعل احتجاجي.. صامت! المشكلات علي القائمة طويلة، بدءاً من غياب الرصيف وتنظيفه لنقص الخدمات، بل وغياب الاحتياجات الأساسية كالماء والصرف الصحي عن تجمعات سكنية بقلب القاهرة، ناهيك عن مشكلات خريطة مصر الأوسع من مواصلات محترمة لقطارات إنسانية لحق في الكورنيش الذي تمت خصخصته فأصبح المواطن البسيط لا يستطيع أن يري…النيل!

سأستمر في التجوال.. لكن الحي الوحيد الذي ليس علي قائمتي هو حي مصر الجديدة..

فشوارعه – ولأسباب سياسية – أنظف من بيتنا