في رثاء محمود درويش

كتب محمود درويش عن شعوره بحضور الموت في مواضع متعددة من إبدعاته..وأطلق عليه “في حضرة الغياب”..وفي ذلك يقول

يوم الأحد

في البيت أجلس،

لا سعيداً.. لا حزيناً

بين بين

ولا أبالي إن علمت بأنني

حقًّا أنا.. أو لا أحد.

..

-هنا/هناك.. الآن-

افتتان الشعر.. بنثر القرآن..

“فبأي آلاء ربكما تكذبان”

وغائبان أنا وأنت، وحاضران أنا وأنت

وغائبان

“فبأي آلاء ربكما تكذبان”

..

“هل مر أربعون عاماً حقًّا دون أن أنتبه لما فعل بي الزمن؟ لا أحد يعود إلى مرآته الأولى إلا ليهرب من ذاته الأولى إلى ذاته الثانية، أو ليقفز من وجهه إلى قلبه، ومن قلبه إلى ماضيه، لكن الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة، بل لزيارة ضرورية، نحاكم خلالها أفعالنا، ونجس ما في الزمن من تاريخ، ونسأل هل كنا جديرين بأحلامنا الأولى وأوفياء لأرضنا الأولى؟ أما أنا فلعلي لا أستطيع الإجابة، ولكني أحيل الأسئلة كلها إلى هويتي الشخصية الوحيدة: قصيدتي. (أما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)… والشعر.

وهكذا أجد نفسي هنا لم أذهب ولم أرجع، لم أذهب إلا مجازاً.. ولم أعد إلا مجازًا”.

..

.. وقال إذا مت قبلك

أوصيك بالمستحيل

سألت هل المستحيل بعيد؟

فقال على بعد جيل

سألت وإن مت قبلك؟

قال: أعزي جبال الجليل

“سطرا سطرا أنثرك أمامي بكفاءة لم أوتها إلا في المطالع.. وكما أوصيتني أقف الآن باسمك كي أشكر مشيعيك إلى هذا السفر الأخير، وأدعوهم إلى اختصار الوداع والانصراف إلى عشاء احتفالي يليق بذكراك”

..

..

“سيري ببطء يا حياة، لكي أراكِ

بكامل النقصان حولي

كم نسيتك في خضمك

باحثاً عني وعنكِ

وكلما أدركت سراً منك قلتِ بقسوة

ما أجهلَك!

قل للغياب نقصتني

وأنا حضرت لأُكِملك..”

..

“.. فماذا أقول لك، يا صاحبي، في حضرة هذا الغياب الناصع، وقد أمليت عليَّ خطبة وداع متقطعة الزمن، خالية من الشجن، محكمة الفوضى، ولا دمعة فيها خوفاً على الكلام من البلل..”؟

وداعًا محمود درويش

وأقول له “في حضرة الإياب”:

ها قد عدت

 الآن/هنا

بين أهلك

والزنابق

والصحاب

مبتسما للموت

الذي أمهلك

سنوات من حروف

فامتطيت السحاب

ها قد عدت

لكل مواسمك التي

انتظرت

طلتك

بعد طول الغياب

كل ألوان عشقك

هاهي اليوم

تنبت حولك

ما أجمل عودك

في اخضرار الرحاب

ها قد عدت

كي تنشر الأزهار

في طرقات المدائن

وتنثر بيتا

بكل كتاب

شهيد القصيد

من المنفى تعود

لتسكن الآن/هناك

طينك الأبدي

وتغادر حرا

أزمنة الاغتراب

ها قد عدت

آه..

ما أنبل شعرك

متشحا بالإياب

 

الاربعاء 2008 / 8 /  20