الحق المر: الشيخ محمد الغزالي وقضايا المرأة

المادة منقولة من مجلة   اسلامية المعرفة    تمهيد أتعب الشيخ محمد الغزالي –رحمه الله- مَنْ بعده، فالرجل قد كتب نيفاً وأربعين كتاباً، وطرق قضايا شتى، ووقف يحارب على عدة...

المادة منقولة من مجلة

 

اسلامية المعرفة 

 

تمهيد
أتعب الشيخ محمد الغزالي –رحمه الله- مَنْ بعده، فالرجل قد كتب نيفاً وأربعين كتاباً، وطرق قضايا شتى، ووقف يحارب على عدة جبهات في مواجهة أعداء الإسلام وفي مواجهة أصحاب التدين الفاسد الذي فتن الناس عن دينهم؛ ولقد عرفته الحياة الإسلامية عالماً عاملاً له مواقفه الاجتماعية والسياسية، فكان لزاماً على الباحث في قضية ما في فكره أن يلهث وراءه ويتابعها في منعطفات تجربته الثرية. ولا يستطيع الباحث أن يفصل قضية المرأة في فكر الشيخ الغزالي وكتاباته عن نهجه الأصيل –هج الوسطية الإسلامية الذي طالما دعا إليه ونافح عنده. إن الشيخ لم يقدم –عبر مسيرته- رؤية شخصية “معتدلة” لوضع المرأة، فلم يكن مدافعاً، بقدر ما كان مع الحق حيثما كان، فرأى الحق في مناصرة نساء الأمة اللاتي عانين من التأويل الضيق لنصوص جلية ومن الفهم المقيد بتقاليد ضيِّقة جامدة. وقد تضمنت كتاباته الأولى وإشارات إلى هذا الظلم الذي قام يواجهه، ثم تزايد اهتمامه بالقضية حيث أفرد لها في أخريات حياته كتاباً خاصاً.
وفي هذه الإطلالة على فكر الشيخ الغزالي نرصد ونتابع تلك الرحلة، رحلة رجل عاهد الله أن يقول الحق وإن كان مرّاًً ويصبر حتى يلقاه، ونحسبه –قد فعل- ولا نزكي على الله أحداً.
الشيخ محمد الغزالي: النشأة والمسيرة
ولد الشيخ محمد الغزالي بقرية “نكلا العنب” بمحافظة البحيرة بمصر سنة 1917م، وحفظ القرآن وهو لا يزال صبياً دون العاشرة، ثم تلقى تعليمه الابتدائي والعالي في معهد الإسكندرية الديني، ثم التحق بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر سنة 1937م، وحصل على درجة العالمِية سنة 1941م، وعلى إجازة الدعوة والرشاد من كلية اللغة العربية سنة 1943م، وعمل واعظاً بالأزهر الشريف إلى أن أصبح مديراً للدعوة والإرشاد سنة 1971م.
وقد اعتقل الشيخ الغزالي مرتين، الأول عام 1949، والثانية عام 1965 بسبب انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين.
وقد بدأ التزامه بالدفاع عن المظلومين في مرحة مبكرة من حياته، حيث كان يحرض الفلاحين على الثورة ضد كبار ملاك الأراضي قبل ثورة 1952م في ريف مصر، وكانت كلماته المسموعة والمقروءة تدافع عن البسطاء وتنتقد أوضاع العمال المطحونين، فكتب الإسلام والأوضاع الاقتصادية.
وكان رواد الأزهر من علماء ومجددين مجتهدين هم قدوة الشيخ الغزالي وعلى رأسهم الشيخ محمود شلتوت؛ أما التأثير الأكبر في حياته فقد كان للإمام الشهيد حسن البنا الذي وصفه بأنه كن “عالماً بالدين كأفقه ما يكون علماء العقيدة والشريعة”.1 وقد كان انتماؤه إلى جماعة الإخوان المسلمين لاتفاق منهجها مع رؤيته الشرعية الوسطية والمدرسة الفكرية التي كان ينتمي إليها والتي وصفها بأنها “تقوم على الاستفادة التامة من جميع الاتجاهات الفكرية والمذاهب الفقهية في التاريخ الإسلامي، كما ترى الاستفادة من كشوف الفلسفة الإنسانية في علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد والتاريخ، ومزج هذا كله بالفقه الصحيح للكتاب والسنة”.2
بهذا المزج بين العلم والخبرة العملية في قلب المجتمع، بين القدم الراسخة في علوم الشريعة وسعة الاطلاع في مجالات الثقافة، جاءت كتابات الشيخ محمد الغزالي متميزة تشتمل على موضوعات شتى بنظرة وسطية قويمة وفهم دقيق لما هو كائن واستشراف واضح لما يجب أن يكون.
المرأة والأمة
انشغل الشيخ الغزالي منذ البداية بالدفاع عن الشريعة الإسلامية، ويلحظ القارئ لكتاباته هذا الإخلاص في الذود عن الإسلام، فقد دافع عن الإسلام في وجه أحقاد الاستعمار،3 وكيد الشيوعية والرأسمالية،4 وانتشار الاشتراكية العلمية التي أسماها “الزحف الأحمر”؛5 وكذلك وقف بالمرصاد للفكر القومي وأفكار “البعث العربي”،6 كما رد في كتاباته على مزاعم المستشرقين،7 وهاجم كيد الصليبية ومكرها وأعوانها.8
انشغل الشيخ إذاً بالدفاع في المرحلة الأولى من حياته، وفي سبيل ذلك اشتبك في معارك فكرية وثقافية شهيرة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. وعلى الرغم من ذلك فقد أدرك مبكراً وجود مشكلة للمرأة في عالمنا الإسلامي، فلم يغفلها بل توقف عندها. ففي كتابه الإسلام والطاقات المعطلة الذي نشره في بداية الستينيات رصد الشيخ سوء وضع المرأة في العالم الإسلامي، وهو في ذلك ينحو منحى التروي ويدعو للتغيير والعودة للأصول، لكنه يكرر مع ذلك بعض المقولات المتأثرة بخلفيته الأزهرية التقليدية، فيقول:
“لا ندري بدقة متى ساء وضع المرأة في المجتمع الإسلامي؟ ومتى انحدرت عن المستوى الذي بلغته في صدر الإسلام؟ لقد كانت على عهد السلف الصالحين إنساناً يقوم بواجباته الدينية والدنيوية قياماً حسناً، ما كان شأنها الجهل بالإسلام ولا الغفلة عن قضاياه…
ونحن إذ نستنكر وضع المرأة بيننا في القرن الماضي مثلاً فإنما ذلك بالنسبة إلى حال المرأة في تاريخنا الأول…
أما بالنسبة إلى حياة المرأة في أوروبا وأمريكا الآن، فنحن نعتقد أن المرأة العاطلة أفضل من المرأة الفاسدة، وأن النساء المحتبسات في المخادع والبيوت، المقصورات على خدمة الولد والزوج، أشرف من النساء اللواتي يتكشفن لكل عين ولا يرددن يد لامس…”9
ثم يستطرد قائلاً:
“إن جنس الذكور عموماً أقوى من جنس الإناث.
وقد تكون هناك فصائل من الإناث أقوى من بعض الرجال، إلا أن امتياز أفراد من النساء لا يعني خدش الحقيقة العامة التي ذكرناها وهي أن الرجال في الجملة أقدر من النساء، وأنهم بناة العمران، وعلى كواهلهم القوية نهضت الحياة الإنسانية. ولا يزال الرجال إلى عصرنا هدا –وسوف يبقون على كر العصور- قادة لكل نشاط مدني أو عسكري… بل إن النهضات النسائية –كما تسمى- ليست إلا وليدة شعور بالرقة والألم غمر قلوب بعض الرجال فقاموا يحررون المرأة من القيود التي رماها بها رجال آخرون.”10
وإذا كان الشيخ في صفحات تالية يذكر مكانة المرأة ووظيفتها في المجتمع الإسلامي الأول في مقابل ما أضحت عليه في العصور الحديثة من إهمال وتعطيل لطاقاتها، إلا أنه يعود لتحفظ خشية من الانبهار بالنموذج الغربي المسيطر الذي يريد إخراجها من الأسرة وإشراكها دون ضوابط في المجال العام، فالهم الأخلاقي و “سد الذرائع” كان هو الهاجس الذي يجده القارئ في تلك الكتابات الأولى لشيخنا، وقد ظلت مقولته في تلك المرحلة: “لا نريد أ، يخيّرنا أحد بين شرّين”11 هي المقولة التي تأسس عليها منهجه الوسطي البديل.
وفي كتابه حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة يسير الشيخ على النهج ذاته، فيرحب بمشاركة المرأة، ولكنه يقصر المشاركة على حدود الحاجة إلى المال ويحدد دائرتها في مهن معيّنة هي “أصلح لها”، مدافعاً عن قوامة الرجل بمقولات تتعرض لتعسف الرجال في حجب المرأة عن المشاركة الاجتماعية.12
على أن الشيخ يبدأ بعدها بأعوام قليلة في إدراك أهمية وضع القضايا في سياق أوسع وبلورة الأطروحات والأفكار، والتركيز على المقاصد لضبط ميزان فهم أهمية وضع المرأة ووظيفتها في دائرة الأمة، وسرعان ما يتضح له أن التركيز على الضوابط وليس المهام وأساليب المشاركة هو المدخل الأسلم الذي ينبغي أن يتبع، بحيث يوضع الأصل وتلحق به الفروع، فيكتب:
“جرت على لساني كلمة تتصل بملابس الرجال والنساء كان الباعث على اختتام الحديث بها ما أحسه ويحسه الكثيرون من أن مشكلة الأزياء في مصر سيئة ومحرجة وتتطلب حلاً معقولاً…
هذا ما قلته، وما فوجئتُ بأنه أقام الدنيا وأقعدها! أو بتعبير أدق ما وجد الماكرون مجالاً لنقل المعركة إليه واختلاق قضية أخرى يدور حولها الجدل بعنف وتختنق في ضوضائها قضية التشريع الإسلامي من ألفها إلى يائها.
ولا أدري كيف وقعتُ في هذه الحفرة وكيف انسقت إلى هذا الموضوع الثانوي…
إن حرمان المرأة من التعليم والتربية والعبادة الشخصية والاجتماعية والسياسية، لا يمكن أن يكون إرضاءً لله ولرسوله، وما كان النساء المسلمات كذلك على عهد رسول الله والخلافة الراشدة والعصور الزاهرة.
وخير لنا أن نتدارس كتاب الله وسنة نبيه وفقه الصحابة والتابعين والأئمة المشهورين لنأخذ ديننا من مصادره الصحيحة…”13
وفي السبعينات يشتبك الشيخ في معركة شهيرة أثناء محاولة تعديل قوانين الأحوال الشخصية إلى ما يخالف شرع الله من تقييد للتعدد والطلاق، وهي معركة خاضها دفاعاً عن الأسرة والمجتمع شغلته عن الاستطراد في بحث قضايا المرأة الضيقة،14 إلا أنه مع مطلع الثمانينيات يبدأ في بلورة خطابه وتطوير أفكاره بشأن المرأة في سياق أوسع محّص فيه التراث وأسس منهجاً متكاملاً للتعامل مع الأصول –قرآنا وسنة- تنقية لفهمها من النظر الملتبس بالهوى أو المتأثر بالعادات والتقاليد الموروثة، أو الواقع تحت ضغط الرؤى والأفكار الوافدة.
ففي كتابه: “دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين” يدعو إلى العودة إلى المعين الصافي لتتحقق وحدة بين المسلمين وتياراتهم الفكرية والثقافية في شتى القضايا، ومنها قضايا المرأة أن ما يجيء حديثان في قضية تتصل بها إلا أُخِّر الصحيح وقُدم الضعيف.
هناك أحاديث ضعيفة تحكم المجتمعات الإسلامية وتهزم الأحاديث الصحيحة بل المتواترة… والتصرف في السنة بهذا الأسلوب لا يمكن أن يكون ديناً قويماً ولا صراطاً مستقيماً. أما الأمر الثاني الذي يؤخذ على المشتغلين بالسنن عموماً فهو قصورهم الفقهي، وليست لهم قدم راسخة في فقه الكتاب الكريم…”15
ثم يستكمل حديثه تحت عنوان “تقاليد المسلمين غير تعاليم الإسلام” قائلاً:
“… ولا يزال نفر من علماء الدين يكرهون وجه المرأة، ويحملونها مسؤولية خروج آدم من الجنة كما زعم اليهود في كتبهم، ويرون إمساك النساء في البيوت حتى يتوفاهن الموت، وحرمانهن من أي نشاط عام، وأعتقد أن هؤلاء العلماء القاصرين لو كانوا على عهد رسول الله  لطالبوه بطرد السيدتين اللتين حضرتا ببيعة العقبة الكبرى، وقالوا له ما للنساء وهذه الشؤون، ولو كانوا موجودين عند فتح مكة لقالوا له حسبك بيعة الرجال وهم يعلمون نساءهم!.”16
لقد وضع الشيخ يده على الداء وأدرك من اشتغاله بالدعوى زمناً طويلاً للإسلام أعداء من الداخل قصر فهمهم وضاقت عقولهم، واستيقن أن ما أصاب الإسلام في عصرنا هذا وفي العصور الماضية لا يُسأل عنه أعداؤه بقدر ما يُسأل عنه أبناؤه.17
وقد برز في كتابات الشيخ المتأخرة أثرُ تعامله مع المرأة –في مجالس الفتيا وفي الجامعات- في موقع قضاياها من فكره، إذ انتقل من الكتابة في هذا الشأن بشكل نظري قارئ للتاريخ والأصول إلى الكتابة عن الهموم المعاصرة للمرأة في المجتمع الإسلامي، وهو ما يتضح في الأمثلة التي يسوقها والوقائع التي يرويها ليدلل من واقع معايشته للمجتمع على بُعْدِ الشقة بين تعاليم الإسلام وأوضاع النساء، فيقول في كتابه مائة سؤال عن الإسلام:
“… إنني أسأل أولاً: هل عوملت المرأة في العالم الإسلامي وفق تعاليم الإسلام؟ ما أظن ذلك وقع إلا لماماً…”18
ويمضي الشيخ في إجابته عن الأسئلة حول قضايا المرأة ومكانتها في إبراز أهمية تعليم المرأة ومشاركتها في رسالة المسجد واتخاذ نساء الرسول والصحابيات قدوة في العبادة والعمل والجهاد، موضحاً حقوق المرأة في المجتمع والأسرة.
والشيخ يعلم مسبقاً أن أصحاب “التدين الفاسد” –كما يسمّيهم- أنصار حزب “والله لنمنعهن” الذي رفض تاريخياً ترك مسيرة المرأة المسلمة تأخذ مجراها الناهض منذ عصر الرسالة،19 ويعلم أنهم سوف يزعمون أن هذه آراء غريبة توافق المدنية المستحدثة، فيرد تلك المزاعم قائلاً:
“لا أريد أن يفهم أني راغب في نقل معالم الحضارة الغربية إلى مجتمعاتنا، فهذه الحضارة تجمع خليطاً من التقاليد الحسنة والتقاليد الرديئة، وإنما أريد إعمال النصوص المكتوبة أو المفهومة من سيرة الرسول  وسلفه الأول.”20
فالقضية إذن قضية عودة للسنة النبوية وفهم دقيق للكتاب وفقه بصير بالسنن الاجتماعية. بل يذهب الشيخ إلى أبعد من ذلك إذ يرى أن مستقبل الإسلام رهن بإعادة النظر في قضايا عديدة، منها قضية المرأة، وأن التضييق كان مدخلاً لأعداء الدين لكي ينفذوا إلى المجتمع الإسلامي، فيكتب:
“إن الذين أهانوا النساء، وحجروا عليهن، وظنوا بهن الظنون، ينطلقون من مبادئ شاعت في الجاهلية الأولى، إنها تعاليم آباء الكنيسة الأقدمين انتقلت إلى الأمة الإسلامية، لأن هذه الأمة قلدت اليهود والنصارى على الرغم من تحذير النبي  من هذا التقليد وتشاؤمه من هذا الاتباع السيئ.
ومن الإنصاف القول بأن تحامل قادة التنصير علينا لم يأت من فراغ، فإن سيرة بعض المسلمين وفتاوى بعض المتفقهين تجر على الإسلام صنوف البلاء!”21
ومع نهاية الثمانينيات يصدر الشيخ كتابه المهم السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث الذي يجمع فيه أفكاره وملاحظاته حول قضايا مختلفة في التراث وقراءة بعضهم للسنة والسيرة، وكذلك قضايا المرأة.
ويبدأ الشيخ في الجزء الثاني الذي أفرده للمرأة بقضية الحجاب، حيث يرى جواز كشف الوجه، ولا يرى نفسه بذلك مخالفاً للجماعة، بل يسوق الأدلة التي تبيّن اتفاق رأيه في تلك المسألة –التي كثر الجدل بشأنها- مع آراء الفقهاء الأربعة الكبار؛ وهو بذلك يبدأ بالقضية التي اتخذت ذريعة لحجب المرأة بالكلية عن الشأن العام، وهدفه في ذلك العودة إلى الأصول وإحياء فه الوسطية الذي كادت الحواشي على المتون أن تحول بيننا وبينه.
وفي ذلك يقول: “يعلم الله أنني –مع اعتدادي برأيي- أكره الخلاف والشذوذ، وأحب السير مع الجماعة، وأتنازل عن وجهة نظري التي أقتنع بها بغية الإبقاء على وحدة الأمة.
فهل ما قلته رأي انفردت به؟
كلا كلا، إنّه رأي الفقهاء الأربعة الكبار، ورأي أئمة المفسرين البارزين.
إن الشاغبين على سفور الوجه يظاهرون رأياً مرجوحاً، ويتصرفون في قضايا المرأة كلها على نحو يهز الكيان الروحي والثقافي والاجتماعي لأمة أكلها الجهل والاعوجاج كما حكمت على المرأة بالموت الأدبي والعلمي”.22
ثم ينتقل الشيخ إلى بحث قضايا المرأة والأسرة والوظائف العامة، وهو حين يدعو إلى مشاركة المرأة المسلمة في الحياة العامة تبدو قوة حجّته وتتضح في رؤيته المرأة المسلمة في الحياة العامة تبدو قوة حجّته وتتضح في رؤيته المرأة المسلمة العفيفة أهلاً للنهوض بأمتها وتحمل أمانة هذا الدين جنباً إلى جنب مع الرجال، على العكس مما كان عليه الأمر في الستينيات، حيث كان الشيخ يؤكد أولوية عمل المرأة داخل بيتها. فنحن نجده في الثمانينيات بعد طول خبرة واطلاع على أحوال المرأة المسلمة وتقديره للمهمات التي نهضت بها الصحابيات الأوائل، يسعى إلى إيجاد توازن بين مسؤولية المرأة داخل أسرتها ومسؤوليتها تجاه قضايا الأمة. فقد كتب في الستينيات يقول:
“قلد عرف عني أنني لم أهش لتوظيف المرأة في كل الأعمال، ولا لتسويتها بالرجل في كل الميادين، وقلت إن وظيفة ربة البيت هي أليق شيء لها، وقد تحتاج وظائف فينة كثيرة إلى النساء وحدهن، وقد تحتاج فتيات كثيرات إلى العمل قبل الزواج، ثم إن الأوضاع الاقتصادية لها أثر كبير في الطريقة التي يفهم بها الناس شؤون الحياة، ولست أحب نشر فتاوى جزئية في غياب الوضع الإسلامي الكبير عن هذه الحياة الصاخبة”.23 ونجد الشيخ، بعد أن أدرك حاجة الأمة في عصرنا إلى نساء يخرجن يجاهدن في شتى المجالات بعد أن دخل العدو ديار المسلمين سياسة واقتصاداً وإعلاماً وتربية، قد صقَل رأيه السالف وعدَّله فكتب في كتابه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، مؤكداً شأن الأسرة ولكن مشدداً أيضاً على مكانة المرأة في المجال العام:
“أكره البيوت الخالية من رباتها، إن ربة البيت روح ينفث الهناءة والمودة في جنباته ويعين على تكوين إنسان سوي طيب، وكل ما يشغل المرأة عن هذه الوظيفة يحتاج إلى دراسة ومراجعة.
وإلى جانب هذه الحقيقة فإني أكره وأد البنت طفلة ووأدها وهي ناضجة المواهب مرجوة الخير لامتها ولأهله، فكيف نوحد بين الأمرين؟…
يمكن أن تعمل المرأة داخل البيت وخارجه، بيد أن الضمانات مطلوبة لحفظ مستقبل الأسرة، ومطلوب أيضاً توفير جو من التقى والعفاف تؤدي فيه المرأة ما قد تكلف به من أعمال. إذا كان هناك مائة ألف طبيب أو مائة ألف مدرس فلا بأس أن يكون نصف هذا العدد من النساء، والمهم في المجتمع المسلم قيام الآداب التي أوصت بها الشريعة وصانت بها حدود الله…
أعرف أمهات فاضلات مديرات لمدارس ناجحة وأعرف طبيبات ماهرات شرفن أسرهن ووظائفهن، وكان التدين الصحيح من وراء هذا كله”.24
ومن منطلق هذه الثقة في قدرات المرأة المسلمة وإسهامها في تطوير مجتمعها وحفاظها مع ذلك على أسرتها وبيتها يقر الشيخ بأن بين النساء من تجيد إدارة شؤون الجماعة المسلمة على مستوياتها المختلفة، وأنه أولى أن يتولى الإنسان الكفء التقي، ذكراً كان أو أنثى، فيكتب قائلاً:
“ما دخل الذكورة والأنوثة هنا؟ امرأة ذات دين خير من ذي لحية كفور!”25 ويتوج الشيخ الغزالي جهده ونظره في شؤون الأمة وحال نسائها بكتابه قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة في أوائل التسعينات ويكتب في مقدمته:
“الإسلام متهم بإهانة المرأة واستضعافها…! فهل في كتاب الله وفي سنة رسوله ما يبعث على التهمة؟ القرآن بين أيدينا لم يتغير منه حرف، وهو قاطع في أن الإنسانية تطير بجناحين، الرجل والمرأة معاً، وأن انكسار أحد الجناحين يعني التوقف والهبوط. فلننظر إلى السنة ولنستبعد ما التصق بها من الواهيات والمتروكات.
إن مصاب الإسلام في المتحدثين عنه لا في الأحاديث نفسها”.26
وينتقل الشيخ في كتابه من قضية لأخرى، بادئاً بمفاتيح لفهم مكانة المرأة ووظيفتها مقارناً بين وضعها في دار الإسلام ووضع النساء في مجتمعات أخرى، أسِياً لِحاها:
“المرأة عندنا ليس لها دور ثقافي ولا سياسي، ولا دخل لها في برامج التربية ولا نظم المجتمع، ولا مكان لها في صحون المساجد ولا في ميادين الجهاد، ذكر اسمها عيب ورؤية وجهها حرام، وصوتها عورة ووظيفتها الأولى والأخيرة إعداد الطعام والفراش.
المرأة اليهودية تشارك مدنياً وعسكرياً في قيام إسرائيل، وها هي ذي توشك أن تكون في البيت الأبيض تضع اللمسات الأخيرة في الإجهاز علينا، ولا يزال نفر من أدعياء التدين يجادلون في حق المرأة أن تذهب إلى المسجد وتحضر الجماعات.
إننا نموت قبل أن يحكم علينا غيرنا بالموت! فهل نعي ونرشد؟”27
وينتقل الشيخ في الباب الثامن من الكتاب السالف الذكر إلى استعراض صفحات مطوية من تاريخ مشاركة المرأة وإسهامها في صنع نهضة الإسلام وحضارته تحت عناوين مثل: “امرأة بألف رجل”، و “المرأة في العلم والأدب”؛ وفي الباب الثالث يتحدث عن وظيفة المرأة في إطار الأسرة تحت عناوين مثل: “لا تُهوِّنوا من وظيفة ربة البيت”، و “البيوت تُبنى على الحب”؛ وفي الباب الرابع يتناول مفاهيم ينبغي أن تصحح مثل: القوامة وفلسفة المهر وبيت الطاعة والتشدد في إيقاع الطلاق ومشاركة النساء في المساجد، مذكراً النساء والرجل بآداب المجتمع الإسلامي الطاهر.
ويسوق الشيخ خبرته في العديد من الجامعات كالأزهر أم القرى والأمير عبد القادر بالجزائر في كثير من المواضع ناقداً فهم شباب الصحوة الإسلامية لمكانة المرأة ووظيفتها، فيكتب:
“عندما كنت أدرس في الجزائر الإسلامية كان الطلاب عن يميني في المدرج والطالبات عن يساري، ولاحظت أن الوجوم يخيم على الطالبات بعد أيام قلائل كن يسألنني فيها على استحياء! وعلمت أن الطلاب الذكور هددوهن إذا سألن –فصوت المرأة عورة!- ورددت على ذلك بمنع الأسئلة الشفوية من الجنسين وقبول الأسئلة المكتوبة وحدها! وأكدت ما قررته مراراً أنه لا عورة في صوت المرأة ولا في وجهها! ثم شعرت بأن مستقبل الإسلام في مهبة الريح إذا بقي الفكر العفن يحتل آفاق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على النحو الذي ينشره بعض العلماء.”28 وربما كان ذروة ما كتبه الشيخ عن النساء هو ما ذكره في كتابه تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، إذ ينتقل خطوة أبعد من تكريم المرأة في ذاتها إلى تكريمها في كفاءتها ومشاركتها في صنع “حضارة الإسلام وتراثه” وحمل أمانة هذا الدين، فيقول:
“علوم السنة من أهم علوم الشريعة، والصدارة فيها تحتاج إلى ذهن ناقد مستوعب حافظ، وقد كنت أظن النساء آخر من يشتغل بهذه العلوم بَلْهَ أن يبرزن فيها ويبلغن مرتبة الإمامة، حتى قرأت رسالة السنة النبوية في القرن السادس الهجري للدكتور محمد إبراهيم الديك فوجدت عالمات بالسنة لا يشق لهن غبار، ولسن نـزراً يسيراً، بل عشرات من العالمات الثقات.”29 ثم يروي كيف شاركت المرأة في النهضة الدينية والثقافية والاجتماعية في عصور الإسلام المختلفة.
لقد تجاوز الشيخ في مؤلفاته الأخيرة إفراد المرأة بالحديث أضحى يضمنها خطابه عن الإسلام في مواضع شتى ومناسبات مختلفة ليقر بذلك بعد مسيرته الطويلة أن حضارة الأمة بناها وبيّنها الرجال والنساء معاً.
المرأة والأسرة: تكامل الدوائر
إذا كان الشيخ قد طوّر رؤيته التي ساعدت خبرته على صقلها وإنضاجها بشأن الحاجة للاهتمام بقضايا المرأة في عالمنا الإسلامي من منظور إسلامي قويم، فإن الخط المستمر في كتاباته منذ البداية كان هو الإدراك المبكر لأهمية الأسرة ومحوريتها في التصور الإسلامي، وفي مواجهة التحديات التي تجابهنا في هذا العصر.
وقد اتخذ هذا الاهتمام صبغة أخلاقية في البداية، يهاجم الرذائل التي نجمت عن خروج المرأة وسفورها والكوارث التي حلت بالحياة الأسرية.30 فحين كتب عن حقوق الإنسان أفرد جزءاً للحديث عن الأسرة واضعاً بذلك المفهوم الإسلامي للحقوق الذي يقوم على روح الجماعة مقابل المفهوم العلماني الفردي المفرط في الفردي، ومؤكداً كون الأسرة نسقاً للحقوق والواجبات يمثل قاعدة المجتمع الإنساني، وهو تصور يقدم جوهر النموذج النظري الإسلامي سواء بالنظر للإنسان ووظيفته في الكون أو فلسفة الحق في الإسلام.31
وقد توالت كتاباته تدافع عن حقوق المرأة، لكنها تحذر في الوقت ذاته من الموبقات التي ترتكب باسم إشراكها في الحياة العامة، مشدداً على ضرورة الالتزام بضوابط السلوك وقيم الأخلاق الإسلامية، وعلى عدم التنازل ولو قيد شعرة عنها، وإلا عمّ الفساد؛32 ويصوغ ذلك في تعبير بليغ فيقول: “إننا لا نريد أن تنتقل المرأة من عهد الحريم إلى عهد الحرام”،33 موضحاً أن طريقاً وسطاً هو السبيل، وليس اتباع خطى الغرب أو إبقاء الحال على ما هو عليه: “الأسرة أساس المجتمع، فكل ما يتهدد كيانها أو يضعف سلطانها أو يفسد جوها فلا بد من منعه باسم الإسلام.
“وقد عرف القريب والبعيد أن الإسلام نظام متكامل، وأن إنفاذ بعض تعاليمه مع غيبة البعض الآخر لا يقيم مجتمعاً إسلامياً، وأن إصدار فتاوى في الحالات العارضة مع إغفال الملابسات القائمة قد يسيء إلى الإسلام أو إلى الأمة أو إليهما معاً.”34 ويخوض الشيخ المعركة مدافعاً عن الأسس الفقهية والأصولية التي انبنت عليها مواد القانون المصري الذي يراد تعدليه، ويرد على دعاة تقييد الزوجات والطلاق، مشفقاً على الأمة من مزيد طعن في شريعتها، ومهاجماً من يريد أن يبدل في شرع الله، ويستعرض في أناة الباحث المدقق مواد القوانين المدنية في ضوء واقع الإحصاءات الرسمية موضحاً بُعْدَ كثير منها بالفعل عن أحكام الشرع، واضعاً الحق في نصابه ومؤكداً حقوق المرأة في ضوء الشريعة كما هو الأمر في حق الخلع، وهو في ذلك لا يدافع فحسب عن المرأة المسلمة بل عن شريعة الله وتماسك المجتمع المسلم: “فشرائع الإسلام ليست أحوالاً شخصية تهم أصحابها وحدهم من حقهم أن يبقوها إذا شاؤوا أو يغيروها إذا شاؤوا.
وإذا كان هذا العنوان اصطلاحاً فنياً محضاً فهو ليس من صنع علماء الإسلام.”35
ويرفع الشيخ صوته في خطب الجمعة داعياً جماهير المسلمين إلى ضبط العلاقات داخل الأسرة بموازين الشرع، فهو لا يواجه “السادة” الذين يريدون تغيير القوانين فقط، بل يستنهض الناس أن يستمسكوا بشرع الله في ممارساتهم اليومية داخل الأسرة وفي القوانين،36 مذكراً الأمة بوصية رسول الله للرجال في حجة الوداع أن يستوصوا بالنساء خيراً.37 وفي موطن آخر يهاجم “بدع العادات” التي انتشرت في مجال العلاقة بين الجنسين والعلاقات داخل الأسرة داعياً الرجال والنساء إلى صحوة تأخذ سبيلها إلى أسرهم وبيوتهم،38 ومذكراً المرأة المسلمة بواجبها ووظيفتها في هذا الصدد.39
وحين تعرض على الشيخ أسئلة النسا وشكاويهم يدرك الظلم الذي يكتنف ممارسات الطلاق، والتعسف في استخدام هذا الحق على يد بعض الرجال، فيوجه ويرشد ويربط على قلب الشاكيات بتفقيههن بحقوقهن،40 ولا يرى العلاج في تشريع قوانين تقيد الطلاق الذي يهز أركان البيت المسلم، بل في تعليم الناس: “إن منع الطلاق إجراء يقع في الغرب حيث يستطيع الرجل أن يبقى زوجاً صورياً لامرأة ويتصل بغيرها وتتصل بغيره.
علاج سوء التطليق هو رفع المستوى العلمي والخلقي، وإعادة الأمة الإسلامية إلى قواعدها الاجتماعية الأولى، وهي قواعد نبل وأشرف ما وعى التاريخ”.41
وإذا كان الشيخ قد اتخذ موقفاً يعضد مشاركة المرأة في فعاليات الأمة، ويشدد في الوقت ذاته على أهمية الأسرة ووظيفة المرأة بداخلها، فقد أدرك أن المقولات النظرية وحسن النوايا وحدهما لا يحلان الإشكالية؛ لذا فهو يسعى لحلول عملية يمكن من خلالها صياغة هذا التوازن. وقد نادى بتغيير قوانين العمل لتصبح مدة عمل المرأة نصف مدة عمل الرجل فيجمع النساء بين الخيرين: دائرة الأسرة، ودائرة الأمة:
“كثيراً ما تساءلت: لماذا تكون للمدير سكرتيرة خاصة؟ لماذا تشتغل الفتيات بالخدم في الطائرات وحدهن؟ ويقضين في الجو وفي الفنادق ليلهن ونهارهن؟
إن النساء يحشرن في أعمال كثيرة لا معنى لها، وعندما نقرر أحكام الإسلام وتوجيهاته فإن ابتذال المرأة سيمنع على الفور، وسيكون عملها في أي موقع مضبوطاً بآداب الشرع وحدوده، ذلك ومن الصعب أن تكون المرأة ربة بيت متقنة وصاحبة منصب منتجة. إن ذلك قد يقع على ندرة، وأقترح أن تنشأ للنساء وظائف نصف وقت [بالنسبة لمدة عمل الرجل] حتى تستطيع الزوجة القيام الحسن على شؤون بيتها وأولادها.
إن تعاون المسلمين والمسلمات لإقامة مدنية مشرفة طاهرة أمر ميسور. إنني غيور على الأعراض كأشد المتزمتين، ولكن الحفاظ على العرض لا يتم بعقلية السجان، فالبون بعيد بين تكوين عقلية وضمير بالعلم والتقوى وبين حبس الأجساد في قفص من حديد.”42
كذلك نظر الشيخ في مسوغات منع المرأة من المشاركة العامة ثم نظر في السيرة المطهرة وكتب: “حبذا لو درس المسلمون كيف انتظمت العلاقات بين الجنسين في صدر الإسلام، وكيف اجتمع أفراد الأسرة كلها في ساحة المسجد طرفي النهار وزلفاً من الليل، بل كيف قاتل الرجال والنساء معاً لإعلاء كلمة الله، وكيف أجمع الفقهاء على أنه إذا وقع هجوم عام على الوطن الإسلامي كلف كل مسلم ومسلمة بإجابة النفير والخروج لبذل النفس والنفيس.
إنه في ضوء هذه العلاقات المقررة شرعاً يمكن تصور البيئة التي تولد فيها الأسرة وتنتعش وتحيا وتؤدي رسالتها الكاملة”43
نحو نهض نسائية رشيدة
إذا كانت أصوات عديدة منذ بداية القرن قد ارتفعت تحذر من مقولات تحرير المرأة التي تدثرت بعباءة حقوق الإنسان لتخفي أطروحات علمانية، واتهمها الكثير من الإسلاميين بالعمالة والخيانة والانحلال وغير ذلك من الأوصاف القاسية، فإن الشيخ محمد الغزالي رحمه الله قد وجه اللوم منذ البداية إلى أهل الفقه والذكر من المسلمين وفضل نقد الذات، مؤكداً في هذه القضية وغيرها أن “الغزو الثقافي يمتد في فراغنا”،44 فاللوم يتوجه إلى من قصر وأساء ابتداءً.
ومنذ وقت مبكر نصح الشيخ في هدوء أهل دعوات تحرير المرأة أن يؤسسوها على نهج الإسلام إذا أرادوا لها النجاح، فكتب في الستينيات بأدبه المعهود يقول:
“نحن نلفت رواد النهضة النسائية إلى ما في التراث الإسلامي من نفاسة تعجب، وما فيه كذلك من أسانيد لقضاياهم النـزيهة إذا أرادوا أن يربطوا حركتهم بالإيمان والمعرفة ويبتعدوا عن مزالق الهوى والتحلل.”45 ولا يكتم الشيخ نقده للخطاب السائد بشأن قضايا المرأة وغلبة الغلو فيه، بل يرفع صوته من فوق المنبر خطيباً فيقول:
“أمتنا بحاجة إلى نهضة نسائية رشيدة، لم؟ لأن هناك بعض المتدينين لا يعقلون قضايا المرأة، أو ينظرون فيها بحماقة وقلت فقه، ولو وكل الأمر إليهم لحبسوا النساء في البيوت فلا عبادة ولا علم ولا عقل ولا فكر ولا نشاط ولا شيء. هذا النوع من المتدينين الجهلة ينبغي أن يحرم من الكلام باسم الله! والنهضة النسائية الرشيدة تحتاج إلى أن يطرد نوع آخر من المتحدثين في قضايا المرأة، وهم عبيد أوروبا الذين يريدون إشاعة الخنا في بلادنا، والذين لا يعنيهم أمر العفة ولا أمر الأسرة، ولا يبالون أن ينقلوا ما هنالك بعمى غريب!
… نريد تسليم النهضة النسائية إلى نساء عفيفات عاقلات محصنات آمرات بالمعروف ناهيات عن المنكر حافظات لحدود الله.”46 وقد زادت الشيخ خبرته في الجزائر وفي بلدان إسلامية أخرى إدراكاً لخطورة هذا الاستقطاب بين من يريدون إقصاء النساء، ومن يريدون إقصاء الإسلام، فهو يقول على سبيل المثال:
“ما الذي دعا الشيوعيات على التصايح ضد قانون الأسرة في الجزائر والمطالبة بالغائه؟ الذي دعا إلى ذلك خطباء ودعاة إسلاميون تحدثوا عن موقف الإسلام من المرأة حديثاً استفز أولي الألباب وبعث في النفوس الوجل من مستقبل يستولى فيه أولئك الإسلاميون على الحكم.”47
ويكرر الشيخ في كتابه قضايا المرأة… تأكيد هذه الهموم:
:لو نجح أهل الدين في تولي السلطة لغلقت على النساء الأبواب ولم يُر وجه واحدة منهن‍ أقول: والكارهون للإسلام والخائفون من عودته لهم العذر عندما يلتقطون للدين هذه الصورة الكالحة الشائهة.
إن حاجة العالم للإسلام ملحة، بيد أن ناساً من ذوي الجهالة والجرأة لا يعلمون ويكرهون من يعلم، ولا يعملون ويكرهون من يعمل، وقفوا في هذا العصر سداً أمام تيار الإسلام، يعكرون صفوه، ويمنعون ورده، ويصدون الأمم عنه”.48
خاتمة
إن ما نحتاجه هو نهضة إسلامية رشيدة نسائية كما يرى الشيخ، تضع الأمور في نصابها وتعالج داء الأمة بدواء دينها الشافي لا بحلول غربية تزيدها عللاً وأسقاماً، وتحرر النساء باسم الإسلام، بقيادة نساء عالمات عاملات.
لقد استمد جيلنا من قوة الشيخ الغزالي على قول الحق المر ونقده للذات قبل نقد الآخرين دروساً وآداباً ترسخت في أعماقنا، ونهضت نساء هذا الجيل في ثقة بالله ويقين بعدل رسالة الإسلام التي أرسلها رحمة للعالمين، يشاركن في الصحوة الإسلامية ونهضة مجتمعاتهن، بل يدافعن عن حقوق المرأة في كل مكان. ولقد شهدت المؤتمرات الدولية –وآخرها مؤتمر بكين سنة 1995م- وفوداً نسائية إسلامية تدعوه لتحرير المرأة بتحكيم الشريعة وبالتصالح مع الدين لا معاداته أو إقصائه عن الحياة الاجتماعية والسياسية.
ويرزق الأمة =رجالاً ونساءً- بعلماء شوامخ يقولون الحق ويصيرون على ذلك لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعةوالله نسأل أن يجزي شيخنا عنا خير الجزاء، ويعوضنا عنه خيراًن ويرز