حذاء خوزيه

حذاء خوزيه/ باولو كويلو  ترجمة: د.هبة رءوف عزت في سالف العصر والأوان منذ زمن بعيد لا نعرف تاريخه علي وجه الدقة كان هناك طفل يعيش في قرية صغيرة في جنوب...

حذاء خوزيه/ باولو كويلو

 ترجمة: د.هبة رءوف عزت

في سالف العصر والأوان منذ زمن بعيد لا نعرف تاريخه علي وجه الدقة كان هناك طفل يعيش في قرية صغيرة في جنوب البرازيل يبلغ من العمر سبع سنوات وكان اسمه خوزيه.كان الطفل قد فقد والديه وهو ما زال يحبو وتبنته عمة شحيحة كانت رغم ثرائها لا تنفق شيئا يذكر على ابن أخيها.لم يعرف خوزيه أبدا معني الحب لذا فقد كان يظن أن هذا هو الوضع الطبيعي ، فلم يكن هذا الحال يضايقه على الإطلاق.كان خوزيه يعيش مع عمته في حي مترف ، لكن العمة أقنعت مدير المدرسة بأن يقبل الطفل مقابل عشر المصاريف وإلا شكته للإدارة التعليمية على أمور تحسب عليه، لذا فقد كان الناظر يسيء معاملة الطفل ويهينه عله يضجر ويترك المدرسة ، لكن خوزيه لم يفعل، فهو لم يعرف أبدا معنى الحب لذا فقد كان يظن أن هذا هو الوضع الطبيعي ، ولم يكن هذا الحال يضايقه على الإطلاق.

وجاء يوم عيد الميلاد، وكان قس الكنيسة في إجازة وكان على تلاميذ المدرسة أن يحضروا القداس في كنيسة بعيدة على أطراف البلدة، وسار التلاميذ من أولاد وبنات وهم يتحاكون عن الهدايا التي يتوقعونها في اليوم التالي حين يفتحون أعينهم فيجدونها بجوار فراشهم كما هي العادة حيث يتركها لهم بابا نويل: ملابس جديدة وألعاب ثمينة وحلوى وأدوات تزلج على الجليد ودراجات. ولأن يوم القداس كان يوما مختلفا فقد كانوا يرتدون ثيابا جميلة وغالية ، أما خوزيه فكان يرتدي ملابسه الرثة وحذاءه القديم الذي أخرج قدمه منه من الخلف بعد أن ضاق عليه ، حيث اشترته له العمة البخيلة وعمره أربع سنوات وأكدت له أنها لن تشتري له آخر قبل أن يتم العاشرة من عمره.

كان الأطفال يتساءلون لماذا يرتدي هذه الملابس غير اللائقة ، ويخبرونه بأنه لا يشرفهم أن يصبح صديقا لهم، ولكن لأنه لم يعرف الحب أبدا فلم تكن كلماتهم تضايقه البتة.

لكن عندما دخل الكنيسة وسمع صوت الموسيقى وشاهد الأضواء الملونة البراقة واجتماع الناس في الصلاة ورأى الأسر مجتمعة تحتضن أطفالها شعر خوزيه بأنه أشد الخلق بؤسا، وبعد القداس لم يرجع مع الباقين للقرية، بل جلس على الدرج أمام الكنيسة وانخرط في البكاء. ربما لم يعرف خوزيه معني الحب أبدا لكنه في تلك اللحظة شعر كم هو وحيد وتعيس ومخذول من الجميع.

في تلك اللحظة لاحظ خوزيه طفلا آخر يجلس بالقرب منه حافي القدمين ويبدو عليه البؤس مثل خوزيه، ولأنه لم ير هذا الطفل من قبل فقد توقع أن يكون بدوره قد سار مسافة طويلة من قرية أخرى ليشارك في القداس . وقال لنفسه : لا بد أن قدمه تؤلمه. سأعطيه فردة حذاء واحدة عساها تخفف عنه ألم العودة. ورغم أن خوزيه لم يعرف معنى الحب لكنه كان يعرف معنى المعاناة ولم يكن يريد أن يشعر بها الآخرون.

وأعطى خوزيه الطفل بالفعل فردة الحذاء وعاد بالأخرى، وكان في الطريق يستبدلها بين القدمين ليخفف عن نفسه الآلام ، وعندما وصل كانت عمته في إنتظاره ، ولاحظت أن هناك فردة ناقصة فوبخته وأنذرته أنه إذا لم يستردها فسيكون حسابه عسيرًا.

وأوى خوزيه لفراشه وهو يرتجف من الخوف، فقد كان يعلم قسوة عقاب العمة، فلم يتمكن من النوم إلا قليلا ، وما كاد النعاس يداعب عينيه حتى سمع أصواتا أمام باب الغرفة.. واندفعت العمة لحجرته وهي تسأله أن يشرح لها ما يجري.

خرج خوزيه ووجد الجيران مجتمعين في فناء البيت الداخلي ، ووجد فردة الحذاء التي أعطاها للطفل الفقير، لكنه وجدها محاطة بكل صنوف الهدايا واللعب والملابس الثمينة . كان الجيران يصرخون ويتصايحون ، ويتهمونه بالسرقة لأن أطفالهم حين استيقظوا لم يجدوا هدايا عيد الميلاد بجوارهم.

في تلك اللحظة دخل القس الذي أقام القداس في الكنيسة مهرولا وهو منقطع الأنفاس ليخبرهم أن طيف المسيح الطفل قد ظهر على الدرج أمام الكنيسة مغطى بالذهب لكنه كان يرتدي في قدمه فردة واحدة .

ألجمت الدهشة الجميع ثم تعالى تمجيد الرب أمام تلك المعجزة وركعت العمة تطلب المغفرة وهي تبكي.
عندها إمتلأ قلب خوزيه بمعنى الحب.

(مستلهمة من قصة لفرانسوا كوبيه كتبها عام 1903)