شهادة الدكتور معتز الخطيب
هبة رؤوف .. كلمة وفاءفاجأني أحدُ محبيها ومريديها بطلب شهادتي فيها، ولا أَدَلُّ على ذلك من طول تَرَددي في كتابة تلك الكلمة الموجزة التي سماها الطالبُ “شهادة”، ولكن ما حملني على الكتابة أخيرًا، هو كثرةُ سؤالِه، وعدمُ كَلَله، وتَتَابُعُ رسائل السؤال والاستبطاء، وإيماني بحق السائل، وحيائي الفطري من أن أكون سببًا في خيبة أمل السائل. وفي الحقيقة أن مصدر التردد يرجع إلى حساسيتي للكلام العربي، وشغفي به، فقد سماها “شهادة”، وأنا أتهيب من الشهادة المنطوقة، فكيف بها مكتوبةً؟! وكيف لي أن أشهد وأنا لم أُلمَّ بتفاصيل المشهود له؟!. ثم أَنّى لمثلي أن يشهد لمثلها!. لا أذكر على وجه الدقة متى طَرَق اسمُها سمعي لأول مرة، ولكنني عرفتها بادئ الأمر منشغلة بالشأن النِّسْويّ، من منظور إسلامي، وقرأت مناظرتها مع نوال السعداوي، وأُعجبتُ بنصها، ثم عرفتها في القاهرة، ولمستُ شعبيتها، وحماسة الشباب لها، فعلى المستوى الشخصيّ حسبها أنها “إنسان” بكل ما تحمله من خصائص وسمات جعل منها محل ودِّ الكثيرين، شيبًا وشبابًا، ذكورًا وإناثًا، تلاطفهم، وتحنو عليهم، وتسعى في حوائجهم بحسب ما كان يتداوله محبوها. وعلى مستوى التفكير، فكان مما لمسته بنفسي مقدرتها التنظيرية الرفيعة، والمنزع التجريدي القوي، فوافق هوىً قديمًا عندي، وخاصةً حين عرفت أنها منشغلة ومشغولة سنينَ عددًا بموضوع المواطنة في الفكر الليبراليّ، ومع أن الكثيرين ممن كنت أسمعهم يستبطؤون إنجازها لموضوعها هذا الذي سجلته للدكتوراه، إلا أن القلة القليلة هي التي تعرف أن الأمر عند هبة لم يكن انشغالاً لقبيًّا، ولا انخراطًا في مسلك التدرج الجامعيّ الوظيفيّ، بل كان انشغالاً بحثيًّا وفكريًّا بالدرجة الأولى بل والأخيرة، بالإضافة إلى انشغالها الإنساني الذي ألمحتُ إليه، وانشغالها المجتمعي الذي جعل منها “ناشطةً” بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى كثرة النشاط والحيوية، والانخراط في مسالكَ شديدة التنوع، بعضها إنساني، وبعضها سياسي، وبعضها حركي، والأهم من ذلك كله، وبالإضافة إليه، هو شجاعتها وجرأتها في الصدع بما تعتقد، مهما يكن رد الفعل!.وإذا كانت قد ألَّفت بين الذكور والإناث وهي المنشغلة برد الاعتبار للمرأة، وباستخراجها من عزلتها، وتحريرها من هيمنة الرجل، مع مخالفتها لتوجه النِّسْوية الغربية ودخولها في سجالات مع دعاتها، فإنها كذلك ألَّفت بين النظر والعمل، بين التجريد وحاجات المجتمع، فهي تملك القدرة على الغوص بعيدًا في أعماق العقل، مما عزَّ نظيره في صفوف مَن نرى من الباحثات، وتنشغل مع ذلك في النشاط المجتمعي ونقد السياسة اليومية، وعَيْبِ المفاهيم المغلوطة. إن من يقرأ لهبة، خاصة في بعض مدوناتها الشخصية، يدرك أمرًا آخر، أو ثنائية أخرى، أنها تملك القدرة على الجمع بين كتابة العاطفة، المفعمة بالحس، وكتابة العقل المُغْرقة في التجريد. فكأنها أدركت أن كمال الإنسان لا يكون إلا بإعمال العقل حتى منتهاه، وبإعمال العاطفة حتى غايتها!.هذه كلمة وفاء، وليست شهادة، فللشهادة منطق آخر، تقضي بمناقشة الأفكار والجهر بالخلافات.
معتز الخطيب: الكاتب والباحث السورى المعروف ومُعد برنامج الشريعة والحياة بقناة الجزيرة الفضائية
