فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي

                      عرَفتها منذ كانت طالبة، فلم تكن كسائر الطالبات، كانت شابَّة مسلمة ملتزمة، متوقِّدة الذهن، قويَّة العاطفة، حيَّة متحرِّكة، تسأل...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عرَفتها منذ كانت طالبة، فلم تكن كسائر الطالبات، كانت شابَّة مسلمة ملتزمة، متوقِّدة الذهن، قويَّة العاطفة، حيَّة متحرِّكة، تسأل ولا تملُّ من السؤال، ويُجاب ولا تقتنع بأيِّ إجابة، الدين عندها نور يهدي، وليس قيدا يعوق، ومنهج للفكر والحياة، وليس سجنا للعقل والإرادة، ليس الدين سياطا لتضرب، ولا سيوفا لتقتل. بل هو قوة هادية، وقوة حافزة، وقوة ضابطة.

كانت وهي – طالبة – قادرة على أن تقول فتُسمع، وتناقش فتُقنع.

فلما تخرَّجت عُرفت باتجاهها الإسلامي، وبثقافتها الوسطية، وبفكرها المستقلِّ، فدُعيت إلى شتَّى المحافل والندوات والمؤتمرات، في الشرق والغرب، وقالت فأحسنت القول، وأجابت فأصابت المحزَّ، واختارت آراءها ومواقفها بشجاعة، رضي مَن رضي، وسخط مَن سخط.

وأعدَّت أطروحتها للدكتوراه، فلم تتعجَّل في تقديمها كما يفعل الكثيرون والكثيرات، بل ظلَّت سنوات تُعمل فيها فكرها، حتى اختمرت ونضجت، وأمست دانية القطوف، طيِّبة الثمرات.

لم يكن أكبر همِّها الحصول على الشهادة، فالشهادة عُدَّة، وليست غاية، ولكنها ليست مجرَّد دكتوراه في علوم السياسة، حصلت عليها بامتياز، فما أكثر مَن يحمل الدكتوراه ولا تكاد تحسُّ له أثرا.

الواقع أن هبة إذا تأملتها بعمق تجد في داخلها مجموعة شخصيات متنوِّعة، وليست متعارضة، تجد فيها شخصية العالم، أو قل: الفيلسوف في تفكيره، والفنان في تصوّيره، والأديب في تعبيره، والصوفي في تحليقه، والداعية في حركيَّته، والسياسي في واقعيَّته.

إنها تعتبر نفسها تلميذة لي، ويعتبرها آخرون كذلك، وإني لأعتزُّ بذلك، ولكن التلمذة لا تسلبها الحرية، ولا تحرمها الاستقلال، فقد تقف مواقف فكرية أو سياسية غير موقفي، وهذا لا يسوءني، فإن من خصائص مدرستي الفكرية: تنمية شخصيات التلاميذ وقدراتهم على الاجتهاد والتجديد، وإن خالفوا إمامهم، كما فعل أبو يوسف ومحمد وزُفَر، مع إمامهم الأعظم أبي حنيفة. حسبهم الموافقة في المنهج والاتجاه العام.

إنها منفتحة على مدارس الفكر، تقتبس منها، ولا تتعصَّب لواحدة منها. هي بنت الشرق والعروبة والإسلام، ومع هذا تأخذ من الغرب وتَدَع، وتنتقي من الفلسفات والحضارات ما تراه حقَّا أو أدنى إلى الحقِّ. وهي ابنة عصرها وبيئتها، ولكنها مرتبطة بجذورها، مشدودة إلى أصولها، كما قال سلفنا: رحم الله امرءا عرَف زمانه، واستقامت طريقته.

أدعو الله لها بالمزيد من العطاء والبركة فيه، وعموم النفع به